رابط إمكانية الوصول

logo-print

رضا مالك.. الدبلوماسي التنويري الذي 'حكم' الجزائر


رضا مالك سنة 1977

توفي رئيس الحكومة الجزائرية السابق رضا مالك خلال الصيف الماضي، تاركا وراءه تاريخا حافلا من النضال من أجل الاستقلال، إلى الوقوف ضد التطرف الذي شهدته الجزائر على خلفية مسار التعددية الحزبية نهاية الثمانينيات، ثم تصاعد أعمال العنف، إثر توقيف المسار الانتخابي سنة 1992.

ولد مالك في 21 ديسمبر 1931، لأسرة أمازيغية متواضعة بباتنة بالأوراس الجزائري، "تربى على حب الوطن منذ نعومة أظافره، على حد قول أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر"، الهادي خضير.

من الإعلام إلى الدبلوماسية

كان مالك ضمن الكوكبة الأولى للشباب الجزائري المؤسس لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين، وكان عضوا في لجنة إدارتها الأولى رفقة بلعيد عبد السلام.

قبيل الاستقلال، وفي سنة 1961، عُيّن مالك الشاب، في منصب مدير جريدة "المجاهد"، لسان حال جبهة التحرير الوطني، التي كانت تقود الحرب ضد فرنسا الاستعمارية، لـ"براعته الإعلامية وإتقانه الجيد للفرنسية ولغة الخطابة، ومواجهة الأفكار المغلوطة بأفكار تنويرية"، كما يؤكد الهادي خضير في حديث لـ"أصوات مغاربية".

يشير المتحدث أيضا، إلى اضطلاع مالك بمهام دبلوماسية بعد استقلال الجزائر، ويذكر بالمناصب التي تقلدها وهو في منتصف الثلاثينات من عمره.

"دوره الإعلامي في مفاوضات إفيان سنة 1962، ساعد كثيرا في إقناع الرأي العام الدولي بأحقية الشعب الجزائري في الاستقلال" يبرز الهادي خضير.

رضا مالك (يسار) يحط بسويسرا خلال مفاوضات إفيان
رضا مالك (يسار) يحط بسويسرا خلال مفاوضات إفيان

بعد استقلال الجزائر، شغل مالك منصب سفير الجزائر في عدة عواصم، بداية من يوغوسلافيا سنة 1964، وفرنسا عام 1965، مرورا بالاتحاد السوفييتي عام 1977، إلى الولايات المتحدة الأميركية سنة 1979.

ويلفت الهادي خضيري بصفة خاصة إلى كون الرجل من أبرز المفاوضين لتحرير 52 رهينة في السفارة الأميركية بطهران سنة 1981، بعدما فشلت محاولة عسكرية أميركية لتحريرهم.

واحتجز طلبة إسلاميون إيرانيون، 52 رهينة أميركية بمقر سفارة الولايات المتحدة الأميركية في طهران، أشهرا قليلة بعد الإطاحة بالشاه الإيراني محمد رضا بهلوي، احتجاجًا على استقبال الولايات المتحدة لهذا الأخير لأجل العلاج، واستمر الاحتجاز لقرابة 444 يوما.

وفي سياق حديثه، أبرز هذا الجامعي الصورة الإيجابية التي يحتفظ بها الأميركيون عن مالك، "الذي أعاد لأميركا أبناءها في 1981" على حد وصفه، مشيرا في الوقت نفسه للوقفة التي قامت بها المتحدثة باسم وزارة الخارجية هيذر نويرت، حينما عبرت عن حزن أميركا لوفاة صديق للشعب الأميركي.

المتحدثة باسم وزارة الخارجية هيذر نويرت تنعي وفاة رضا مالك

من الدبلوماسية إلى الحكومة

كان أول دخول لرضا مالك إلى الحكومة الجزائرية، خلال عهد الرئيس الراحل هواري بومدين الذي عينه على رأس وزارة الإعلام والثقافة، وهو في السادسة والأربعين من عمره.

وخلال فترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد، لم يكلف مالك بمهام دبلوماسية كثيرة، إلا منصب سفير الجزائر ببريطانيا، الذي غادره بعد فترة.

منتصف الثمانينيات، تفرغ مالك للكتابة، حيث ألف عديد الكتب، مثل "الرهان الحقيقي رهان العصرنة في الجزائر وفي الإسلام" و كتاب "الجزائر في إيفيان" وآخر حول "تاريخ المفاوضات السرية 1956/1962".

بعد توقيف المسار الانتخابي بالجزائر، ودخولها دوامة عدم الاستقرار، استدعي رضا مالك ليشغل منصب رئيس المجلس الاستشاري الوطني في أبريل من سنة 1992، ثم عضوا خامسا في المجلس الأعلى للدولة في يوليو من نفس السنة، إثر اغتيال الرئيس محمد بوضياف، فوزيرا للشؤون الخارجية بداية من فبراير 1993، ليعين رئيسا للحكومة بداية من أغسطس 1993، ويتولى نفس المنصب مجددا من يناير 1994، إلى غاية أبريل من ذات السنة.

وتشير الباحثة في التاريخ، نورية معمري، إلى أن تلك الفترة أبانت عن معدن الرجل، الذي لم يتوان في مواجهة الفكر المتطرف، رغم أن أغلبية التيارات السياسية، حاولت أن تهادن الإسلاميين بحكم القاعدة الشعبية التي كانوا يتمتعون بها.

وفي حديث لـ"أصوات مغاربية"، نوّهت المتحدثة، بدور رضا مالك في "الحفاظ على الجمهورية في وقت اهتزت ركائزها بالجزائر".

مواجهة الإسلاميين..

كما ركّزت نورية معمري على العزلة التي كان يشتغل خلالها الراحل، بحكم مواقفه ضد استغلال الدين لأغراض سياسية، والتي كان يعبر عنها "بملء فيه" على حد وصفها، وذلك من خلال منبر حزب التحالف الوطني الجمهوري الذي أسسه سنة 1995.

وفي سياق حديثها، أبرزت المتحدثة، إيمان رضا مالك بالتعددية، رغم اتهام البعض له برفض الإسلاميين، مؤكدة أن تلك التّهم التصقت به "لأنه لم يهادن أحدا ولم يراوغ أي تيار للبقاء في الحكم".

وكانت الصحافة الجزائرية، قد لفتت إلى غياب الإسلاميين عن جنازة الفقيد، رغم كونه "رمزا وطنيا يلزم أي جزائري احترامه" على حد تعبير الباحثة في التاريخ نورية معمري.

توفي رضا مالك في 29 يوليو 2017، وشيع جثمانه في جنازة مهيبة إلى مقبرة العاليا بالعاصمة، حيث يرقد كبار المناضلين الجزائريين.

ونعتت الصحافة المحلية جنازة رضا مالك بـ "الرئاسية"، نظرا للحضور المكثف لكبار رجالات الدولة والسلك الدبلوماسي بالجزائر.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG