رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

بن بريكة: المقررات الدراسية في الجزائر تُغذِّي الإرهاب


محمد بن بريكة

يرى أستاذ كرسي التصوف والدراسات الإسلامية في جامعة الجزائر، البروفيسور محمد بن بريكة، أن أسبابا عديدة تقف وراء انتشار الخطاب المتطرف والمتشدد في الجزائر.

ويدعو بن بريكة، في هذا الحوار، إلى إجراء تعديلات شاملة على المناهج التربوية في الجزائر، مؤكدا أنها تُغذي الإرهاب.

البروفسور محمد بن بريكة
البروفسور محمد بن بريكة

نص الحوار:

يلاحظ في الآونة الأخيرة أن هناك عودة قوية للخطابات المتشددة في الجزائر، ما أسباب ذلك؟

في الجزائر، أسباب عديدة تقف وراء انتشار الخطاب المتطرف والمتشدد، الذي لن يزول في رأيي، إذا لم تختف العوامل المساعدة على انتشاره.

ويأتي على رأس هذه الأسباب المنظومة التربوية، التي خضعت منذ الاستقلال إلى غاية يومنا هذا لمجموعة من التجارب تحت عناوين مختلفة، لكن للأسف كانت جميعها عمليات مؤدلجة بعيدة عن المقاصد البيداغوجية والعلمية.

ولا أدل على كلامي من التناقض الكبير الموجود في المفاهيم الدينية والإسلامية المقدمة للتلاميذ، في مختلف الأقسام والأطوار التعليمية.

عندما نتكلم عن الأسباب التي تسمح بانتشار التطرف، لا بد من الإشارة إلى عوامل اقتصادية واجتماعية أخرى مثل البطالة والجهل

بمعنى آخر؛ البرامج الدراسية في الجزائر تحتوي على متناقضات عديدة في هذه المفاهيم، تؤدي في الغالب إلى حالة من الإرباك والتصادم في مسيرة المتعلم، وهو ما يؤدي إلى إنتاج تلميذ مصاب بحالة من الفصام بسبب الغموض والتناقض الصارخ، الموجود في المفاهيم الدينية التي قدمت له.

وعندما نتكلم عن الأسباب التي تسمح بانتشار التطرف، لا بد من الإشارة إلى عوامل اقتصادية واجتماعية أخرى مثل البطالة والجهل، إذ نُحصي عددا كبيرا ممن صاروا يعتلون المنابر في المساجد وهم ليسوا أهلا لها، ونفس الأمر أيضا على مستوى مؤسسات أخرى مثل الجمعيات وما شابهها.

هناك أيضا عامل آخر تنفرد به الجزائر عن غيرها، بخصوص ظاهرة انتشار التطرف، وأقصد به غياب مؤسسات دينية تاريخية تتمتع بالمصداقية بين الناس، وتملك تأثيرا في توجهاتهم وسلوكياتهم.

ففي مصر نجد جامع الأزهر، كما نجد القرويين في المغرب والزيتونة في تونس، ما عدا الجزائر الذي تبقى في حاجة ماسة إلى مؤسسة دينية يمكنها المحافظة على المرجعية الدينية وتكريس القيم المعتدلة.

هل تدعو إلى مراجعة شاملة للبرامج التربوية في الجزائر؟

بالطبع، سبق لي، في العديد من المرات، التأكيد على أن المقررات الدراسية، وما تتضمنه من مواد وبرامج متناقضة، تشكل خطرا حقيقيا على المجتمع. وأقول إنها تغذي الإرهاب والفكر المتطرف في الجزائر، وينبغي بذل مزيد من الجهد من أجل غربلة العديد من المقررات والبرامج، ومراجعتها مراجعة جذرية.

وأقترح، في هذا الصدد، أن تقدم للتلاميذ والمتعلمين، خاصة في الأطوار الابتدائية، مواد دينية لا تتحدث سوى عن القيم الإنسانية المشتركة مثل التسامح والمحبة.

لا شك أنك اطلعت على فتوى فركوس الأخيرة، التي أثارت جدلا كبيرا في الساحة الجزائرية، كيف قرأتها؟ وهل من رد عليها؟

طبعا اطلعت عليها، مثلي مثل كل الجزائريين الذين فوجئوا بمحتواها الخطير، وقد قمت بالرد عليها بشكل عملي وعلمي مكتوب، أوضحت من خلاله أن ما جاء في هذه الفتوى الخطيرة، هو تكفير مع سبق الإصرار والترصد لأزيد من 99 بالمئة من الجزائريين.

في نظري، لا يحق لفركوس، ولا لأي شخص آخر، أن يصنف الناس حسب هواه

في نظري، لا يحق لفركوس، ولا لأي شخص آخر، أن يصنف الناس حسب هواه، ويقول إن هذا الفريق من أتباع السنة والبقية من خارجها.

أؤكد أن ما اقترفه هذا الأخير يشكل خطرا حقيقيا على الجزائر والجزائريين وينبغي التصدي له.

وفي جميع الأحوال، فإن ظهور فتاوى على شاكلة ما قاله فركوس، تؤكد الفراغ القاتل والخطير الذي كنا نتحدث عنه في السابق. الأمر خطير ويجب الوقوف عنده بتأنٍ حتى لا تتطور الأمور أكثر.

هل من وصفة أو طريقة فعالة تسمح بالتصدي لهذا الفكر وتمنع من انتشاره؟

لكل مشكلة حل ولكل مرض دواء، ومواجهة التطرف وأشكاله المختلفة لا تتأتى إلا عبر خطة شاملة تتضمن محاور عديدة ألخصها في التالي:

أولا، لا بد من الاعتماد على الآلية التربوية، من خلال التركيز على عمل الأسرة والمدرسة في إصلاح الفاسد من الأمور، ثم الآلية الدينية ذاتها التي تسمح بإنتاج قيم وسطية معتدلة بعيدة كل البعد عن مختلف أشكل التطرف والتشدد.

لكل مشكلة حل ولكل مرض دواء، ومواجهة التطرف وأشكاله المختلفة لا تتأتى إلا عبر خطة شاملة

وهناك آلية ثالثة سياسية صرفة، تشارك فيها السلطة والمعارضة، من خلال وضع ميثاق ديني يتم فيه الاتفاق على مجموعة من المبادئ الرئيسية، تتمثل في الابتعاد عن استخدام الدين من أجل نشر ثقافة الكراهية بين الناس، والإضرار بمصالح الوطن، أو بالذي يخالفنا الرأي والمعتقد.

دون إغفال ما أسميه بالآلية القانونية الأمنية، وهي عملية توكل في الغالب للمؤسسات الأمنية، التي ينبغي لها تأسيس مراكز إستراتيجية تشتغل على مختلف الجماعات الدينية وتاريخ أفكارها وخلفيات أنشطتها، كما تقوم أيضا بتحقيقات أمنية واجتماعية تأهيلية لكل الخطباء والذين يتصدرون المؤسسات الدينية.

هل تعتقد أن الجزائر قادرة على تجاوز ظاهرة التطرف والتشدد؟

الجزائر، مثل العديد من البلدان، توجد في وضعية لا تحسد عليها، واسمح لي أن أقول عبر منبركم إنها تخضع الآن لمؤامرة من أطراف خارجية، تعمل على نشر مثل هذه الأفكار المتشددة والمتطرفة.

ولكن رغم ذلك، فأنا متفائل بقادم الأيام، فقد مرت الجزائر بتجارب مريرة في سنوات ماضية، وتمكنت من الخروج منها أكثر قوة وإصرارا على التصدي لهذا الفكر الهدام.

وأنا أوجه رسالة للسلطة في الجزائر، للتحرك بشكل مستعجل من أجل تجنيب البلاد ما عاشته في مراحل سابقة.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG