رابط إمكانية الوصول

logo-print

سرير لشخصين، طاولة صغيرة، مرحاض، ثلاّجة ومرآة تنتصب أمام حنفية وضوء خافت يكشف بالكاد عن امرأة تبدو أنها استسلمت لنوم عميق بعد يوم مضن.

في عتمة الظلام، يندفع شخص، ليقطع على المتفرجين تركيزهم وعلى المرأة، التي تغط في نومها، هدوءها، لتبدأ على الفور رحلة طويلة من الصراعات بين الشخصيتين الواقفتين على طرفي النقيض.

الوافد الجديد، متشدد ديني يعتمر قبعة بيضاء، قميصا أفغانيا ذو لحية كثة، يجد نفسه بعد رحلة هروب طويلة من قبضة البوليس في غرفة عاملة الجنس، التي تستعد بعد لحظات لبدء يومها المتعب.

هكذا تبدأ فصول مسرحية "الهربة" لمخرجها غازي الزغباني، الذي يلعب أيضا دور البطولة، إلى جانب الممثلة نادية بوستة والممثل محمد قرّيع.

دون مقدّمات طويلة، يبدأ سيل الأسئلة: "من أنت؟" ما سبب قدومك إلى هنا أي جريمة ارتكبت؟ عمل إرهابي، تفجير، أم شيء آخر؟

يتستّر الرجل في كافة فصول المسرحية عن اسمه، فتطلق عليه البطلة اسم" الأزرق". يتمنّع عن الإدلاء بإجابات صريحة عن الأسئلة الحارقة، قبل أن ينهار تحت قوة إلحاحها.

طوال ساعة من الزمن، تتصادم الأفكار والمرجعيات المتناقضة لشخصيات المسرحية. وفي مفارقة نادرة يجد البطل نفسه مخيّرا بين خيارين أحلاهما مر: الخروج من الغرفة والوقوع في قبضة الشرطة، أم الاستسلام لرغبات المرأة والوقوع في "المحظور" من الناحية الدينية.

يقطع حبل المعركة الطويل، طرق عنيف على الباب، ينتفض له جسد الأزرق. قد يكون الواقف على الباب فرقة بوليسية مدجّجة بالسلاح توصّلت أخيرا إلى مكان تحصّن الهارب.

خائفة أو ربما متواطئة، تهتدي المرأة إلى حيلة، تأمر المتشدد بالتمدد للاختباء تحت السّرير. تتقدم بخطوات واثقة نحو الباب، يحبس "الأزرق" والجمهور أنفاسهم، تفتح الباب وتحدث المفاجأة: الطارق ليس إلا حريفا وفيّا للمرأة، جاء في يوم عطلته الأسبوعي ليشبع نزوته، كما يقول.

متشدد ديني تحت سرير عاملة جنس تستعد للتو لبدء عملها، تناقضات كبيرة، عاش على وقعها جمهور المسرحية التي تعرض في فضاء الأرتيستو الصغير بالعاصمة تونس.

لاحقا، تتمنّع المرأة وبطُرقها الخاصة "تطرد" حريفها الوفي، وتدفعه إلى مغادرة الغرفة، شفقة على ساكن غرفتها الجديد كما تقول.

في درجة حرارة لا تطاق، يواصل الرّجل مكوثه تحت السرير، يترجّى المرأة بأن ترتدي ملابسها ليتمكن من الخروج، يتمّكن منه عطش شديد، يطلب جرعة ماء، تُخرج من الثلاّجة قارورة خمر، تمدّه بها، يسترسل في الاستغفار، قبل أن تخبره بأن محتوى القارورة مياه حلال.

مشهد من مسرحية الهربة
 الرجاء الإنتظار

No media source currently available

0:00 0:00:36 0:00

تواصل البطلة ترويض "الأزرق"، تسترسل في "كذبها" بأنها عارية، لدفعه إلى البقاء مضطجعا تحت السرير أو الاستسلام، قبل أن تعطف عليه.

يخرج الرّجل غاضبا فتواجهه بضحكات عالية، يتمكن منه التعب، يطلب كرسيا للجلوس عليه، فلا يجد غير السرير الذي رفضه مرّات، يستسلم أخيرا للجلوس إلى جانبها.

يتمكن منهما الضجر، فتقترح عليه أن يلعبا "الورق". يرفض الأزرق"القِمار الحرام"، لتقنعه بأن الرهان لن يكون سوى صفعات على وجنة الخاسر.

يخسر، فيتلقى صفعات مدوّية، يتواصل النقاش الحاد بين امرأة ذات مستوى دراسي متدن، ومتشدد ديني خرّيج مدرجات الجامعة، غير أنه يفشل في معظم المواقف في التغلّب عليها.

يجنّ الليل، تنجح المرأة في ترويض "الأزرق"، يمارسان الجنس، ثم يغطّان في نوم عميق، ليستفيق البطل على أصوات مآذن المكان لصلاة الفجر، تراقبه بسخرية، يتفطن لذلك يطلب غفرانا من الله ومنها.

تهتدي المرأة إلى حيلة لإقناع الرجل بالتخلّي عن تشدده، تخبره بأن نومهما معا أثمر جنينا، ترتعد مفاصل "الأزرق"، يأمرها بالإجهاض، فترد عليه من داخل معتقداته بأن "الإجهاض حرام".

بعد معركة شد وجذب، وفي مسار تفاوضي معقّد، توصلا إلى هذا الاتفاق: "إجهاض المرأة لجنينها، وتخلّي الرّجل عن لحيته الكثّة". يقف الأزرق عند المرآة مترددا، ليبدأ بالتخلي عن اللحية التي لازمته طويلا، ينظر إلى نفسه بعد إنهاء العملية لكأنما يتعرّف على نفسه من جديد.

يغادر على إثر ذلك الغرفة، وقد بدا كأنه رجل بقناعات جديدة، ومظهر مختلف، لتحصل المفاجأة من جديد، تخبره عند الباب أن "فكرة حملها" كانت مجرد كذبة.

تنتهي فصول المسرحية، بوابل من تصفيق الحضور. تقول مها، إحدى الحاضرات، إن "المسرحية كشفت أن محاربة التطرّف ممكنة أيضا من خلال نقاش مجتمعي هادئ، بعيدا عن أروقة المحاكم ومخافر الشرطة، من خلال مقارعة الحجة بالحجة".

وبحسب الممثلة نادية بوستة، التي لعبت دور البطولة في هذا العمل المسرحي، فإن دورها كشف أن لعاملات الجنس صورة أخرى، فهي في النهاية إنسانة لديها إحساس ومعارف وتفكير على الرغم من أن حياتها مقيّدة مكانيا، ولا يمكنها التحرّك بحرية في الفضاء العام.

كما يكشف العمل، وفقا لما صرّحت به بوستة، لـ"أصوات مغاربية"، عن خطأ اللجوء إلى التعصّب الديني ونبذ الآخر عند انسداد الآفاق المستقبلية لبعض الشباب.

ولا تزال مسرحية "الهربة" تثير جدلا متواصلا على أعمدة الصحف التونسية، وفي مواقع التواصل الاجتماعي.

وتعرضت المسرحية إلى انتقادات من قبل البعض، فيما نالت إعجاب آخرين خاصة أنها تتناول قضايا حارقة في المجتمع التونسي.

ووفقا للكاتب الصحافي المختص في الشأن الثقافي، محمد ناصر المولهي، فإن الفكرة التي نخرج بها من هذا العمل هو أن التشدد خلل اجتماعي ونفسي وجسدي، قد لا ينجح التعليم أو الثقافة في مقاومته بالشكل المطلوب، بقدر ما ينجح العلاج الاجتماعي من خلال احتواء الأشخاص والإحاطة النفسية بهم وقبول الاختلاف والتعايش.

فالتشدد الديني، بحسب المولهي، "ليس إلا سوى ردة فعل على تشدد آخر اجتماعي واقتصادي وسياسي يقصي الآخر ويهمشه ويلغي وجوده ممارسا عليه كل أنواع التقزيم كابتا صوته".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG