رابط إمكانية الوصول

logo-print

'الفتنة'.. حقيقة أم فزاعة تستغل الدين لقمع دعوات التغيير؟


جانب من احتجاجات سابقة بمنطقة غرداية

تظهر كلمة "فتنة"، في المنطقة العربية والمغاربية، في كل مرة، من أجل مواجهة دعوات التغيير، خصوصا حينما تتم المطالبة بإصلاحات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

إذ يفسر كثيرون خروج أفراد أو جماعات للدعوة إلى تغيير أوضاع قائمة، بالسعي إلى وقوع "الفتنة"، مُحيلين إلى التمثل الديني للكلمة.

ويقول عدد من الباحثين إن مفهوم الفتنة متأصل في التاريخ العربي الإسلامي، خصوصا بعد وفاة النبي، وتأسيس الدولة الأموية التي كانت أول دولة مرتبطة بالإسلام تتأسس في المشرق.

لكن مفهوم الفتنة سرعان ما تحول إلى سلاح تواجه به نزعات التغيير في مختلف بلدان المنطقة المغاربية، خصوصا بعد مصير الحراك الاجتماعي الذي شهدته هذه الدول بعد سنة 2011، إلى حد أن بلدانا ضمنها لم تخرج من فوضى نجمت عن طريقة التعامل مع الحراك لحد الآن.

الأصل والتقليد

يقول الباحث في الدراسات الإسلامية، محمد عبد الوهاب رفيقي، إن الفتنة هي مفهوم قرآني وورد في الكثير من الروايات الحديثية، كما ورد في التراث الإسلامي، فهو، في الأصل، مصطلح قرآني، لكن الإشكال فيه، كما هو الحال بالنسبة للكثير من الاصطلاحات الدينية، هو التوظيف السياسي.

ويشير رفيقي إلى أن بداية استعمال هذا المفهوم كانت في ظل الدول الأولى في التاريخ الإسلامي، أي العهد الأموي، فكلما كانت هناك أية محاولة للخروج على الحاكم أو المطالبة بالإصلاحات، كانت تواجه من طرف الفقهاء الذين كانوا متحالفين مع السلطة، وتُقابل بالرد، بدعوى أنها "فتنة ينبغي إيقافها".

ويردف رفيقي، في حديث لـ"أصوات مغاربية": "هذا المفهوم وُظف بشكل سيء جدا، ليس فقط في الواقع المعاصر الذي نعيشه، وإنما في مختلف فترات التاريخ الإسلام، إذ كان هو الفزاعة التي تعارض بها الكثير من المطالب السياسية".

الباحث في الدراسات الإسلامية يرى أيضا أن الكثير من الحركات السياسية التي كانت معارضة للحكم، أوقفت وحوربت، بحجة أنها تثير الفتنة داخل المجتمع، وحتى الكثير من الإصلاحات الاجتماعية، كالإصلاحات المتعلقة بالمرأة، دائما ما كانت توقف باسم الفتنة، ولذلك فاستعمال هذا المصطلح كان استعمالا سيئا.

"الفتنة تعني في الأصل عدم الاستقرار والفوضى وإشاعة الرعب والخوف داخل المجتمع، ولا شك أنه أمر غير مطلوب، ولكن لا يعنى به أبدا إيقاف مسيرة الإصلاح واتخاذ هذا المصطلح كذريعة لمحاولة إعاقة كل تطوير داخل المجتمع، وكل دعوة للمطالبة ببعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية"، يضيف رفيقي.

بين السياسة والدين

أما الباحث الجزائري في الدراسات الإسلامية، عدة فلاحي، فيعتبر أن التيار السلفي هو الذي كرس قاعدة عدم الخروج عن الحاكم، كما حرم الخروج في المظاهرات والاعتصامات والعمل النقابي ونشاط المجتمع المدني، وفقه.

ويضيف فلاحي: "هذه الثقافة تجاوزها الزمن مهما اجتهدوا في تقديم الحجج والبراهين، لأن هذه المسألة تتعارض مع مفهوم الدولة المدنية الحديثة، التي لم تكن موجودة حينما ظهرت هذه الأدبيات والثقافة".

ويشدد الباحث الجزائري على أن مسألة عدم الخروج عن الحاكم، ظهرت في عصر الدولة الأموية، لوضع ميكانيزمات ضد الثورات والتمرد، عبر توظيف المرجعية الدينية.

"لا يمكن تأصيل عدم الخروج عن الحاكم بالمطلق، وإنما يقتصر الأمر على عدم الخروج العسكري أو الصدام الكبير"، يقول فلاحي مضيفا: "أما جعل ذلك بالمطلق ليشمل تنظيم الإضرابات والمسيرات، فهو غير مقبول، ويكرس الاستبداد، كما يسيء للإسلام، ويقدمه كدين ديكتاتوري".

ويوضح عدة فلاحي أن "ما يجعل هذه القاعدة (أي طرح مفهوم الفتنة في مواجهة دعوات التغيير) تلقى رواجا ومساندة هو كون الأنظمة العربية عموما مستبدة، ولا يمكن القول أنها تحتكم للعدالة والحقوق، وهناك علاقة برغماتية مصلحية بين هذه المرجعية والأنظمة".

ويتابع المتحدث ذاته أنه بعد ما يصفها بـ"نكسات الربيع العربي"، قام تيار بـ"تقديم صورة دراماتيكية تعتبر أن نتائج محاولة التغيير والخروج عن الحاكم هي وخيمة، ووجد الفرصة للترويج لمفهوم الفتنة، وأصبح يقدم شواهد وأدلة على الخراب، كسورية وليبيا واليمن، وغيرها".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG