رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

لقمة عيش 'مرّة'.. يوميات عاملات زراعيات في المغرب!


شاحنات نقل العاملات الزراعيات

لم تكن أسماء تتوقع أن يكون مصيرها خلف أسوار الضيعات الزراعية، تغرس يديها وسط التراب لجني الخضر والفواكه.

كانت في طفولتها تنسج أحلاما وردية، السفر إلى العاصمة الرباط لإتمام دراستها، إعانة أسرتها الفقيرة، والارتباط بفارس أحلامها.

أسماء، واحدة من عشرات العاملات الزراعيات، في منطقة خميس آيت عميرة، ضواحي مدينة أكادير جنوب المغرب.

الساعة تشير إلى الثالثة صباحا، الموعد اليومي لوصول أسماء وزميلاتها إلى "موقف" العاملات الفلاحيات، شاحنات صغيرة صُفت على الرصيف، والعشرات من النسوة يتوافدن على الموقف، لا تميز بين الواحدة منهن والأخرى، فجميعهن ملثمات لا تظهر من ملامحن سوى نظرات تتسلل من خلف حجاب.

أسماء وزميلاتها في الموقف
أسماء وزميلاتها في الموقف

فقر.. وكرامة مهانة!

"حنا ما كنعيشوش في الحياة حنا غير لاصقين فيها.. كنعيشو الفقر وقلة الكرامة.. شحال من مرة جلست نتسول قدام الجامع باش نرجع لولادي عشاهم.. وشحال من مرة نعسنا بلاش.." تقول أسماء ذات الـ 27 ربيعا، والأم لثلاثة أطفال، في حديثها مع "أصوات مغاربية".

تترك أسماء طفلها الرضيع كل صباح عند مربية، أما الطفلان الآخران فتتركما لوحدهما في المنزل، "إذا لم أتركهم لن أجد ما أطعمهم، زوجي عاطل عن العمل ولا مورد لنا للرزق".

تعمل أسماء في جني الباذنجان والفلفل منذ سنة 2010، في إحدى الضيعات الفلاحية بمنطقة هرهورة، تغادر بيتها يوميا على الساعة الثالثة صباحا، بعد أن تُلثم وجهها وقاية من شمس النهار الحارقة، وحتى لا يتعرف عليها أحد أفراد العائلة أيضا.

أسماء داخل الضيعة الفلاحية
أسماء داخل الضيعة الفلاحية

تقف أسماء شأنها شأن العشرات من زميلاتها في "الموقف"، من الثالثة صباحا إلى وقت شروق الشمس، الوقت الذي تبدأ فيه عملية اختيار العاملات، من طرف امرأة يطلق عليها اسم "الكابرانة".

تشتغل "الكابرانة" لحساب صاحب الضيعة الفلاحية، مهمتها اختيار النساء من الموقف، ومرافقتهن إلى الضيعة، ومراقبتهن وسط أحواض الجني، وتسليمهن الأجر اليومي عند انتهاء العمل.

موقف العائلات الفلاحيات بخميس آيت عميرة
موقف العائلات الفلاحيات بخميس آيت عميرة

تعمل النساء الزراعيات مقابل 70 درهما، مايعادل 7 دولارات تقريبا في اليوم، وفي حالة ما إذا لاحظت الـ'كبرانة' "تهاون" إحداهن، تخصم من أجرها دولارا إلى دولارين، مقابل ساعات عمل تمتد من الثامنة صباحا، ولا تنتهي إلا عند الخامسة بعد الزوال.

يرفض أصحاب الضيعات أن يشتغل الرجال في عملية الجني، وحسب تصريح أسماء فإن الرجال "لا يطيقون المعاملة الحاطة من الكرامة"، وفي أغلب الأحيان يفتعلون مشاكل مع المسؤولين داخل الضيعة، لذا أصبح أرباب المعمل يفضلون النساء ولا يشغلون غيرهن.

غربة.. ولقمة عيش 'مرة'

حسب ما عاينته "أصوات مغاربية" فإن غالبية العاملات الزراعيات وافدات من مدن أخرى إلى منطقة خميس آيت عميرة، لوفرة الطلب على اليد العاملة في الضيعات الزراعية.

"كل من ضاقت عليه أرضه يقصد آيت عميرة، هنا على الأقل الخدمة موجودة واخة بلا كرامة ولكن المهم أننا خدامين"، تقول فاطمة لـ"أصوات مغاربية".

فاطمة عاملة زراعية لأكثر من 15 سنة، هاجرت إلى منطقة آيت عميرة، قادمة من مدينة الخميسات غرب المغرب قبل 20 عاما.

هي أم مطلقة، بطفلين والمعيل الوحيد لأسرتها، تقول إن "رزقي في هذه الأرض، فبعد طلاقي لم أجد عملا، فقررت الهجرة" لتلتحق بعدد من قريناتها اخترن العمل في الضيعات الفلاحية".

فاطمة لا تتوفر اليوم بطاقة هوية منذ 8 سنوات، ولم يسبق لها أن شاركت في العملية الانتخابية على حد قولها.

"لست الوحيدة التي لا تملك بطاقة الهوية، نحن نعيش في الهامش، لماذا سنحتاج وثائق ثبوتية؟ حتى المستشفيات لا نزورها".

أرواح مهددة..

تُنقل النساء إلى الضيعات في ظروف غير قانونية، وسط شاحنات صغيرة متهاكلة، الأمر الذي نتجت عنه حوادث سير قاتلة، ذهب ضحيتها عشرات العاملات والعمال الزراعيين.

تتم عملية نقل العاملات في شاحنات صغيرة مخصصة لنقل الخضر والفواكه والماشية، وتَحمل الشاحنة الواحدة أكثر من 30 امرأة، يقطعن رحلتهن بين مدينة آيت عميرة والضيعات الفلاحية في المناطق المجاورة، وقوفا داخل الشاحنة، لمسافة تتجاوز 30 كيلومترا.

شاحنات نقل العاملات الفلاحيات
شاحنات نقل العاملات الفلاحيات

وخلال هذا العام فقط، سجلت حادثتا سير حسب الإحصائيات المتوفرة لدى السلطات المحلية، الأولى راح ضحيتها 12 شخصا، والثانية سجلت فيها حالة وفاة واحدة، والعشرات من الجرحى.

المدير الجهوي لوزارة التجهيز والنقل بجهة سوس ماسة مبارك فاشا، قال في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن الشاحنات التي تنقل العاملات الزراعيات، لا تتوفر على ترخيص الوزارة، ولا تخضع لدفتر التحملات وتشتغل في إطار غير قانوني.

المتحدث ذاته أوضح أن هناك هيآت مراقبة "هي المخول لها ضبط تحرك هذه الشاحنات تتمثل في السلطات المحلية والدرك الملكي"، أما عمل الوزارة فمحدود في مراقبة البنية التحتية، وتحديد التشوير الطرقي، وليست لها أي سلطة على سائقي الشاحنات.

وأضاف المتحدث أن ظاهرة نقل العاملات الزراعيات في مثل هذه الظروف "أمر مأساوي، والوزارة تنظم حملات تحسيسية على طول السنة"، موضحا أنه تم فتح حوار مع ملاك الضيعات أكثر من مرة، "استجابت نسبة قليلة منهم، واقتنت حافلات نقل بشروط السلامة المطلوبة، فيما الأغلبية لم تستجب".​

العاملات الزراعيات يمتطين الشاحنة
العاملات الزراعيات يمتطين الشاحنة

من جهته يرى المدير الإقليمي لوزارة التجهيز والنقل بإقليم اشتوكة انزكان، هشام فريندي، في تصريحه لـ"أصوات مغاربية" أن التشخيص الذي تقوم به الوزارة بعد حوادث سير شاحنات نقل العاملات الزراعية، كشف أن السبب الرئيسي والمباشر في هذه الحوادث هو العنصر البشري، وعدم احترام قانون السير وعلامات التشوير.

المتحدث حمل المسؤولية لأرباب الضيعات الفلاحية، وطالب بضرورة خلق قانون ينظم عمل هذه الفئة، وتوفير وسائل نقل "لا تهين الكرامة الإنسانية".

أوضاع مأساوية

واعتبر رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الانسان بأكادير، عبد العزيز السلامي أن موضوع نقل العاملات والعمال الزراعيّين "يُعد وجها من أوجه الأوضاع المأساوية التي يعيشها هؤلاء، من هضم لحقوقهم ودوس لكرامتهم، من طرف مستثمرين همهم الوحيد الربح، وإن كان ذلك على حساب كرامة وعرق وأرواح المواطنين".

عاملات فلاحيات في طريقهن إلى الضيعة
عاملات فلاحيات في طريقهن إلى الضيعة

السلامي يرى أن "السلطات المحلية لا تتحمل مسؤوليتها، رغم عدد الشكايات التي وضعتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان على مكتبها، بالإضافة إلى غض الطرف عن الخروقات المسجلة في نقل العمال، بما فيها اهتراء وسائل النقل، وحشر عدد كبير من العمال والعاملات على متن شاحنة لا تصلح أصلا لنقل البشر، والتي لا تتوفر في أغلب الأحيان على التأمين".

"طريقة تعاطي الجهات المسؤولة مع أرباب الضيعات غير مسؤولة، وفيها استهتار بأرواح العمال الزراعيين" حسب الناشط الحقوقي، الذي تحدث عن "الإفلات من العقاب في ملف الخروقات التي يعرفها تطبيق قانون الشغل".

مقابل ذلك، يمنع عمال وعاملات الضيعات الفلاحية تأسيس أي تنظيم نقابي، أو الاصطفاف تحت لواء أي نقابة، وهو الأمر الذي عاينته "أصوات مغاربية" في الطريق بين خميس آيت عميرة ومنطقة بيوكرة المعروفة بوجود أكبر عدد من ضيعات الخضر.

عمر وعزيز والعشرات من العمال والعاملين، يعتصمون منذ شهر أمام الضيعة التي يعملون فيها بعد تعرضهم للطرد من طرف صاحبها.

عزيز، حمال الخضر والفواكه داخل الضيعة قال في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن صاحب الضيعة طردهم بعدما اكتشف تأسيسهم لتنظيم نقابي، يدافع عن حقوق العاملين والعاملات في الضيعة.

"اليوم نكمل 30 يوما لاعتصامنا في هذا المكان، ننام تحت المطر والشمس الحارقة. صاحب الضيعة طردنا بسبب ما وصفه بتهاوننا الدائم في العمل، لكن الحقيقة أنه اكتشف التحاقنا بنقابة تدافع عن حقوقنا، فقام بطردنا بشكل جماعي".

اعتصام عمال الضيعات الفلاحية
اعتصام عمال الضيعات الفلاحية

عملية طرد العمال والعاملات الفلاحيات من الضيعات لا تكلف صاحب الضيعة شيئا حسب عزيز، فالعشرات من النساء والرجال بدون عمل، "ويمكن لصاحب الضيعة أن يعوضنا في نفس اليوم بآخرين لن يفتعلوا له مشاكل".

لرب العمل رأي آخر

"فعلا هناك خلل، لكن إذا أقفلنا هذه الضيعات أين ستذهب المئات من العاملات الفلاحيات؟ من أين ستأكل كل هذه الأسر في المنطقة؟" هكذا يرد عمر القباج مالك ضيعات فلاحية في مدينة هرهورة لـ"أصوات مغاربية".

القباج يقر بالواقع الذي تعيشه هؤلاء النسوة، لكنه يقول إن المسؤولية "مشتركة بين ووزارة الفلاحة والصيد البحري ووزارة التجهيز والنقل وأرباب العمل".

"أغلب الضيعات تشتغل بشكل موسمي، ولا يمكن لرب العمل اقتناء شاحنات نقل العمال والعاملات بالملايين من الدراهم، يشتغل بها لأشهر ثم يركنها، هذا ضرر لن يقبل به أحد"، يقول القباج.

مالك الضيعة يقول إن بعض الضيعات الكبيرة التي تشتغل طيلة أشهر السنة، اقتنت بالفعل شاحنات نقل مزدوج، لأن أرباحها كبيرة، تمكنها من ذلك ومن الأفضل لها امتلاك نقل خاص عوض اكترائه.

القباج لا يرى في الأمر استهتارا بأرواح عاملات الجني، "شخصيا، أتعامل مع سائقين منذ فترة طويلة وأحرص على أن تكون الشاحنة في حالة ميكانيكية جيدة، كما أن الشاحنات التي تصل إلى ضيعتي لا تحمل أكثر من 10 نساء في أغلب الأحيان، وحوادث السير التي تقع أغلبيتها تكون نتيجة عدم احترام قانون السير"، يضيف القباج.

"الحل هو اتفاق جماعي بين الوزارات الوصية عن القطاع وأرباب العمل، وإلى أن يتم ذلك لا يمكن توقيف العمل" يقول القباج لـ"أصوات مغاربية"، موضحا أن "90 في المائة من نساء المنطقة يعلن عائلاتهن من عملهن في الضيعات، أي أن هذا العمل يسد رمق المئات من الأسر ويمنع عنها شر السؤال والحاجة".

المصدر: أصوات مغاربية.

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG