رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

في كل سنة، وبمناسبة اليوم العالمي للصحافة، يتذكر الإعلاميون في الجزائر زملاءهم الذين اغتالهم المتطرفون زمن "العشرية السوداء".

في تلك التسعينيات الجزائرية الغابرة، كان الموت يتسلل خفية ليخطف أبناء مهنة المتاعب واحدا تلو الآخر، وأن تكون صحافيا واسمك عمر أورتيلان، في ذلك الوقت، معناه أنك موجود على قائمة الموت.

المشوار النبيل

كانت أوراق الخريف قد بدأت تتساقط يوم 3 أكتوبر 1995، عنما باغت شخص مسلح الصحافي أورتيلان أمام دار الصحافة الطاهر جاووت بالجزائر العاصمة، وأفرغ في جسده النحيف رصاصات قاتلة.

"طيفك لا يزال في كل ركن من أركان بيتك العائلي. صورك معلقة على كل جدران المنزل، حتى كتبك لا تزال على أدراج خزانتك مثلما تركتها. كتّابك المفضلون، من كتب جبران خليل جبران إلى محمود درويش، وابن خلدون وطه حسين، لا تزال شاهدة على مشوارك النبيل".

هكذا كتبت الشقيقة الصغرى للصحافي، ​لامية أورتيلان، والتي لم تكن تتجاوز الـ13 عاما، عندما خطف الموت عمر.

وتروي لامية تفاصيل آخر مرة رأت فيها شقيقها، وكان ذلك في أغسطس 1995 ببيته المتواضع في بلكور، "عشت معك يومين، كنت تقضي أغلب الوقت في العمل، تدخل للبيت متأخرا، وتخرج باكرا، رغم قيامك بمجهود كبير لتتفرغ لنا".

وتُطمئن لامية شقيقها، الذي ترك ابنا لم يتجاوز 14 شهرا آنذاك، "أصبح الآن راشدا، طيب القلب مثلك، فنم قرير العين".

سلاحه وسلاحهم

في ذلك الوقت، كان عمر أورتيلان يرأس تحرير جريدة الخبر، والتي جاءها قادما من تجربة يومية المساء الحكومية، رفقة العديد من الأقلام الصحافية البارزة مطلع التسعينيات.

خاطب فريق جريدة "الخبر" الإعلامي عمر، في الذكرى 22 لرحيله، بالقول "كتبت عن واقع الجزائر المرير في أصعب مراحله، وقفت في وجه الرصاص بالقلم، كان سلاحك الكتابة، بينما كان سلاح أعداء الجزائر القتل بالقنابل والرصاص والسيارات المفخخة".

"كان عمر أورتيلان مدرسة متعدّدة المجالات، وكان لي الحظ والشرف، أن تكون بداياتي في عالم الإعلام والصحافة معه"، يقول الصحافي مسعود دكار في حديث لـ"أصوات مغاربية".

ويشير مسعود، الذي يعتبر من بين أقدم الصحافيين في جريدة الخبر، إلى أن ابن القبائل عمر أورتيلان​ كان "حريصا، معنا، نحن الذين التحقنا لتوّنا بعالم الصحافة، على ألاّ نكتب إلا ما هو واقع، دون تحريف ولا تزييف، كان يتابع كتاباتنا،كما كان يسدي لنا العديد من النصائح والتوجيهات".

ويضيف الصحافي مسعود دكار أنه تعلم من عمر الانضباط في العمل، ولأن الجزائر كانت تعيش حربا مفتوحة على رجال الفكر والصحافة في تلك الفترة، فقد كان عمر أورتيلان، حريصا على سلامة الصحفيين.

هذا ماكان يخشاه..

"كان يقف عند الباب الرئيسي ينتظر كل طاقم الجريدة، حتى يتأكد من ووصولهم سالمين"، يقول مسعود قبل أن يستطرد "كان يوصي كل واحد منا عند مغادرته مقر العمل، بأخذ الحيطة والحذر من غدر المتشدّدين، الذين كانوا يتربصون آنذاك بكل الصحفيين".

وخلال حرصه على حياة زملائه، لم يكن يدري أنه سيكون هو نفسه ضحية للفكر المتشدّد، فقد كتب عمر أورتيلان قبل اغتياله مقاله الشهير "أيّها السلم تجلى".

في تلك الفترة كانت الجزائر تمر بأحلك فترة من العشرية السوداء، قتل ودمار وتفجيرات ومجازر في كل مكان، وكان عمر يوّقع مقالاته باسم "بوجمعة".

وتكريما لتضحياته، أسس زملاؤه في جريدة "الخبر" جائزة دولية باسمه في ماي 1998، تمنح سنويا للصحافيين والكتاب، الذين عبروا عن شجاعة نادرة، وواجهوا القمع من أجل الحرية والسلام.

تقول زوجة الراحل، زكية أورتيلان، إنها عندما سألت قاتل زوجها في قسم الشرطة "لماذا قتلته؟" فإنه "لم ينظر إليها، وظل مطأطأ الرأس".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG