رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

أطماع إيران في المنطقة المغاربية.. حقيقة أم شماعة؟


كرونولوجيا العلاقات المغاربية الإيرانية ظلت تتخللها لحظات مد وجزر منذ سقوط نظام الشاه عام 1979. الشاهد على ذلك أزمات تحدث بين الفينة والأخرى في مسار العلاقات الدبلوماسية بين إيران والدول المغاربية. آخر هذه الأزمات إعلان المغرب قطع علاقاته مع إيران، متهما إياها، في بلاغات وتصريحات رسمية، بـ"محاولة زعزعة أمنه".

وفي غمرة الجدل الذي خلّفه الموقف الرسمي المغربي، عاد الحديث عن وجود "تغلغل إيراني" في المنطقة المغاربية، محرّكه، وفق هذا الطرح، "أطماع توسعية" إيرانية في المنطقة، ووقوده خلاف مذهبي سني شيعي.

خلاف على حافة السياسة والدين

قبل الأزمة المغربية الإيرانية بثلاثة أسابيع، صدر كتاب يتعقب ما يعتبرها آليات "التغلغل الإيراني‎ في دول المغرب العربي". الكتاب قام على فرضية أساسية تشير إلى أن إيران استغلت أحداث الربيع العربي لتبسط حضورها الجيوسياسي في المنطقة العربية، وضمنها البلدان المغاربية.

هذا الكتاب، الصادر عن مركز بحثي متخصص في بحث العلاقات الإيرانية العربية، ليس الوحيد الذي يعتقد بوجود "أطماع إيرانية في منطقة المغرب الكبير"، فقد سبقته مؤلفات عدة، تقوم على سرد كرونولوجيا أحداث تكشف ما تعتبره "تغلغلا إيرانيا"، ليس في المنطقة المغاربية فقط، بل في أفريقيا كلها.

اقرأ أيضا: بسبب التقارب مع إيران.. هل تُقامر الجزائر بعلاقاتها الدولية؟

وعلى تعدد هذه الكتابات التي تعقبت الموضوع، إلا أنها ظلت تتفق على خلاصة واحدة وهي أن "إيران تستعمل المذهب الشيعي، للنفوذ إلى عمق الدول المغاربية ومجتمعاتها".

هذا الافتراض يتفق معه الباحث الجزائري المتخصص في الشأن الإيراني، يحيى بوزيدي، الذي يقول إن "التغلغل الإيراني ليس منحصرا في المغرب الكبير، بل في القارة الأفريقية، كما يصل، إلى مختلف مناطق العالم، بما فيها القارة الأميركية".

باحث: إيران أخطبوط ممتد على جميع دول العالم

"كون إيران تحاول التغلغل في المنطقة، سواء عبر القوة الصلبة أو الناعمة، هي فرضية صحيحة، رغم تباين تفاصيل هذا التغلغل"، يردف بوزيدي في حديثه مع "أصوات مغاربية".

ويربط هذا الباحث الجزائري أيضا بين هذا السعي الإيراني الجيوسياسي نحو التوسع في الخارج، وضمنه المنطقة المغاربية، وبين ما يصفها بـ"ظاهرة التشيع"، مستشهدا بـ"دراسة جزائريين، ومغاربيين آخرين، في مدينة قم الإيرانية المقدسة"، فضلا عن "واقعة اقتراح السفارة العراقية في الجزائر على جزائريين زيارة كربلاء".

"سواء وجدت إيران فضاء قانونيا يسمح لها بنشر التشيع، أو تم منعها من ذلك كما حصل في السودان، فهي تفعل ذلك"، يستطرد يحيى البوزيدي.

لكن، ألا يفتح هذا الطرح القائم على ربط التمذهب بالمذهب الشيعي بالولاء لإيران باب انتهاك الحريات الدينية؟ البوزيدي يميِّز، في سياق جوابه على هذا السؤال، بين ما يصفه بـ"التشيع العقدي" وبين "التشيع السياسي"، قائلا إن "إيران بدأت، عقب الثورة الإيرانية، نشر التشيع على أساس سياسي".

"هذا ما يتأكد من خلال ربط الشيعة المنتمين للمرجعية الفقهية للمرشد الحالي، علي خامنئي، بإيران"، يستدل الباحث المتخصص في الشأن الإيراني في محاولة لتأكيد طرحه، معتبرا أن ولاء الشيعة في العالم للمرجعية الفقهية الإيرانية يعني "الارتباط بإيران سياسيا"، إلى حد يحول دون تبني هؤلاء لأي طرح معارض للسياسات الإيرانية.

خلفيات 'التغلغل'

انطلاقا من كل القراءات السابقة التي بحثت في فرضية "التغلغل الإيراني بالمنطقة المغاربية"، ظل خط تماس رقيق جدا هو الذي يفصل بين الجانب السياسي في هذا "التغلغل" وبين جانبه الديني ـ المذهبي.

الباحث المغربي في الحركات الإسلامية، إدريس الكنبوري، يبرر هذا التًّماس باعتبارات سياسية تاريخية تخص اختيار إيران، باعتبارها "إمبراطورية وأخطبوط ممتد على جميع دول العالم"، على حد وصفه.

الكنبوري يفصل هذه الفكرة بالقول: "في الوقت الذي اعتمدت فيه السعودية على المذهب الوهابي للحضور عالميا، اعتمدت إيران على المذهب الشيعي، علما أن كلتا الدولتين بتروليتان وعضوتان في منظمة 'أوبك'. إيران لديها عدو في المحور السني هو السعودية، لذلك هي تعتمد إستراتيجية مضادة تقوم على الوسائل نفسها".

اقرأ أيضا: قطعُ المغرب صلته بإيران.. أبعاد فصل جديد من علاقات مضطربة

هذه الوسائل، بحسب إدريس الكنبوري، تكمن في "تبني القضايا التي تهم المسلمين السنة"، وهنا يشير الباحث إلى استغلال إيران لمواضيع تثير شعورا خاصا لدى بعض المسلمين، مثل "تنظيم يوم للقدس"، أو "التحريض على قتل الكاتب سلمان رشدي"، أو من خلال "دعم الفصائل الفلسطينية".

هنا يظهر تساؤل حول صلة الدول المغاربية بسباق جيو ـ سياسي ومذهبي مع السعودية، وهو تساؤل يجيب عنه الباحث المغربي في الحركات الإسلامية بالقول إن المنطقة المغاربية ليست بعيدة سياسيا عن الشرق الأوسط، رغم أنها بعيدة جغرافيا عنه، كما أنه "حيثما وصلت السعودية فإن إيران أيضا تحاول الوصول إلى المكان نفسه".

يعود الكنبوري بدوره إلى ربط الحضور الإيراني في المنطقة باختيارها المذهبي، موضحا أن هذا التوجه استند على مؤلفات لآية الله الخميني، قائد الثورة الإيرانية عام 1979، التي تحث على "نشر التشيع وقيم الثورة".

بيد أن هذا الطرح قد يقود إلى اعتبار أن كل شيعي مغاربي هو موالٍ بالضرورة لإيران، وهنا يظهر الجانب المعقد في المسألة، وفق الكنبوري، الذي يميل "عدم انفصال الجانب السياسي عن الجانب المذهبي في الحضور الإيراني بالمنطقة".

حقيقة أم شماعة؟

اعتناق المذهب الشيعي وموالاة إيران وجهان لتهمة واحدة رائجة في المنطقة المغاربية، هل هذا الاتهام قائم على أسس واقعية، أم محض شماعة تحقق بها الأنظمة المغاربية أهدافا سياسية؟

الجواب الذي حملته الآراء السالفة تؤكد هذه الاتهامات، في حين يعتبر آخرون هذا الربط تعسفي.

الرئيس السابق لحزب البديل الحضاري المغربي المنحل، المصطفى المعتصم، يعتبر اتهام إيران بنشر التشيع ومحاولة التغلغل في المنطقة هو "كذب في كذب".

المصطفى المعتصم (يمين الصورة) خلال محاكمته
المصطفى المعتصم (يمين الصورة) خلال محاكمته

المعتصم يقابل، في حديثه مع "أصوات مغاربية"، الطرح الرسمي الذي أعلنت عنه الخارجية المغربية، بما يعتبرها شائعات أحاطت بواقعة حل حزبه سنة 2008، بعد اتهامه بالسعي إلى "تنفيذ أجندة إيرانية شيعية في المغرب".

باحث: مؤلفات الخميني تحث على نشر "قيم الثورة"

"أتحدى أي واحد يأتي بدليل ليؤكد اتهامنا بالتشيع. كل ما حدث هو أننا تبنينا رؤية مختلفة عما كان رائجا في الحركة الإسلامية حينها، عبر فهم خاص للنصوص ولحرية العقيدة وقضية الأقليات الدينية".

بيد أن هناك من يرى أن أزمة دبلوماسية مغربية إيرانية سابقة تزامنت مع حل حزب البديل الحضاري المتهم، آنذاك، بمولاة إيران. المعتصم ينفي هذا الطرح ويقول: "لا يهمني ما تريده إيران ولا دوافع القطيعة الدبلوماسية حينها. العلاقات المغربية الإيرانية ظلت ملتبسة منذ 1979، تاريخ قيام الثورة الإيرانية. لكل طرف تحالفات استراتيجية، لكن يجب إبعاد صراعات الدول عن المواطنين ولا توظف للإجهاز على تجارب سياسية".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG