إيمان: هذه الأهوال التي أذاقني مرارتها داعش
إيمان: هذه الأهوال التي أذاقني مرارتها داعش
إيمان: هذه الأهوال التي أذاقني مرارتها داعش

اقرأ قصة إيمان أدناه

اسمي: إيمان.م/جنسيتي: مصرية/ عمري: 28 عاما

مصرية خرجت إلى الحياة قبل 27 عاما، تبعت زوجي من مصر إلى ليبيا عندما كان يبحث عن عمل يعيلنا من خلاله، لكننا انتهجنا طريقا خاطئا عندما انضم زوجي طواعية إلى تنظيم داعش في مدينة سرت الليبية. ولدت في مدينة المنيا المصرية، لأب ليبي يدعى سعيد من قبيلة الجوازي، وأمي عائشة مصرية الجنسية، درست المرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدرسة السلم بمنطقة طواخ الخيل، لكنني لم أكمل دراستي الإعدادية بسبب مرضت بالصرع، وبقيت في المنزل مع شقيقاتي زينب وزهراء وفاطمة، وأشقائي محمد وأحمد ومصطفى ومبارك.
عندما كنت في العشرين من عمري تقدم أحد أقارب والدتي يدعى خليل.س، لطلب الزواج مني فوافقت، تزوجته عام 2010، وعشنا سويا في بيت أهلي لمدة سنة، أنجبت منه أول أبنائي حمزة، لكن خليل لم يبق معنا كثيرا في مصر، بسبب عمله في ليبيا في قسم الخدمات والنظافة في مطار طرابلس، لأنه كان يحمل الجنسيتين الليبية والمصرية. بعد بدء الثورة الليبية كنت أتواصل مع خليل بشكل مستمر، وفي نهاية عام 2011 اشتريت تذكرة سفر إلى ليبيا أنا وابني، ووجدت زوجي في انتظاري حيث أخذني إلى منزل بمنطقة قصر بن غشير، بقينا هناك شهرا ونصف، وحينها ترك عمله في المطار بسبب استلام شركة جديدة للنظافة بمطار طرابلس، وبدأ البحث عن عمل آخر دون جدوى، فقررنا السفر إلى بنغازي.
سافرت مع زوجي إلى ابن عمه يوسف في بنغازي، حيث وجد له عملا في محل لبيع المواد الغذائية والخضروات، لكنه لم يستمر في العمل إلا شهرا واحدا، فقد كان راتب 300 دينار الذي يحصل عليه لا يكفي الحد الأدنى من احتياجاتنا، إيجار الشقة لوحده في منطقة القوارشة كان يكلفنا 600 دينار.

بحثا عن لقمة العيش

ظل زوجي يبحث عن عمل جديد، وحينها اتصل به صديقه من طرابلس أخبره أن هناك شركة تحصلت على عقد عمل في جامعة سرت وتحتاج موظفين، وعلى الفور انتقلنا إلى سرت عن طريق البر في شهر نوفمبر عام 2012. عند وصولنا إلى سرت أقمنا في منطقة الجيزة العسكرية قرب المزارع، واستأجرنا بيتا بقيمة 500 دينار بقينا فيه لمدة طويلة وزوجي، أصبح يتحصل على راتب جيد يقدر بــ 1500 دينار شهريا، أي ما يعادل 140 دولار، وهو مدير لقسم الخدمات والنظافة بالجامعة.
تحسنت أوضاعنا كثيرا، استمر زوجي في العمل لمدة ثلاثة سنوات، وأنجبت ابني الثاني حذيفة، ثم انتقلنا بعدها إلى شقة قرب عمارات واكادوكو، نظرا لقربها من مسجد عثمان بن عفان الذي كان زوجي يتردد عليه كثيرا، وحينها تعرف على القائمين على المسجد، من بينهم الزواوي والفرجاني والصفراني، القادة في تنظيم أنصار الشريعة، وشرعوا يغرسون في عقله أفكارا متشددة.
ترك زوجي العمل في الجامعة وعندما سألته لماذا؟ قال إن أصدقاءه حرموا عليه العمل في جامعة سرت، لأن من فيها "طواغيت"، وهم سيتكفلون بمصاريف بيتنا، وانضم زوجي حينها إلى تنظيم أنصار الشريعة في سرت عبر أصدقائه.

رحلة التشدد

بقينا على هذه الحال لفترة، وكان زوجي خليل يذهب إلى المسجد حيث يلقي المدعو الفرجاني وآخرون من بنغازي المحاضرات في المسجد، وكنت أتابع محاضراتهم وأتعلم القرآن لأن بيتنا يطل على المسجد مباشرة، وذات مرة شاهدت من شرفة شقتي مجموعة من الشباب ملثمين يدخلون أسلحة وذخائر إلى المسجد، وبعد فترة أوقفوا دروس النساء وبقي الأطفال ممن هم دون سن ثمان سنوات.
. كان تنظيم أنصار الشريعة يسيطر على سرت، مع كتيبة عسكرية تتبع الصاعقة يرأسها أبو حليقة، وبعد إخراج كتيبة أبي حليقة من سرت بدأت الاشتباكات بين أنصار الشريعة والكتيبة 166 العسكرية، وعندما سألت زوجي قال إنهم يريدون إخراج هؤلاء "الطواغيت" من سرت. وبعد انتهاء الاشتباكات مع الكتيبة 166، وسيطرة داعش على مداخل سرت ووسطها أعلن قادة أنصار الشريعة عن تنظيم داعش، وشرعوا في تصفية خصومهم بالمدينة، كالشيخ خ. بن رجب الذي كان يحرض الناس على التنظيم، وشيخ آخر يدعى سعيد، قطع زوجي خليل رأسه أمام المواطنين في ساحة سرت. يركب قادة داعش سيارات فخمة ويتحركون بحراسة ويسكنون في مساكن فخمة وكانوا يقولون للمواطنين في سرت إن من يعمل لصالح الدولة "طاغوت"، وإن عوام المواطنين "مرتدون، يجب استتابتهم"، وإن ومن يتعاون مع القوات الحكومية "خائن مرتد".
بعدها بشهر جاءت إلى سرت مجموعات من درنة عبر الصحراء، بقيادة ف. العرفي، بعد ضربة أميركية جوية في درنة، وأيضا بسبب تضييق الخناق عليهم بعد الاشتباكات هناك، وبدأ تخزين السلاح في المساجد استعدادا للحرب. ازداد عدد الوافدين إلى سرت، وحضر قياديان من تنظيم داعش أحدهما سعودي الجنسية يدعى أبو عامر، والآخر عراقي الجنسية يدعى أبو معاذ، والي التنظيم في ليبيا، يقال إنهما يحملان معا البيعة من تنظيم داعش في العراق والشام، وبدأ القادة في جمع البيعة من المواطنين، إجباريا وشكلت دواوين يقودها قادة التنظيم. اختار ديوان الشرطة زوجي سعيد للعمل في الديوان، وكانت رواتب من يعمل في تنظيم داعش الزوج 200 دينارا، وللزوجة 200 دينار، ولكل طفل 70 دينارا، وكان يرأس تنظيم داعش في سرت أبو عامر السعودي، فيما كان أبو حمزة المصري آمر ديوان الشرطة، وكان زوجي يشتغل معه ويحدثني عنه كثيرا.

لا منفذ من داعش

استمر زوجي خليل في عمله في ديوان الشرطة إلى بداية شهر مارس 2015، حيث حضر إليه ذات يوم في شقتنا في عمارة ابن سينا التي انتقلنا لها قبل شهرين، المدعو أبو الفرقان، أحد العاملين بديوان الشرطة، وقال إن عليهم مداهمة شخص مسلح في حي رقم 2، الساعة الواحدة ليلا، ولم يرجع زوجي ذلك اليوم. في الصباح أتاني أبو الفرقان وأبلغني بوفاة زوجي نتيجة الاشتباكات مع المسلح، وذهبت إلى المستشفى لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، ومنذ ذلك الوقت بدأ التنظيم يعطيني وأطفالي نصف المرتب بسبب نقص السيولة كما يقولون.
كنت وقتها حاملا في الشهر التاسع، وبعد عشرة أيام أنجبت ابنتي خولة، أتاني شقيقي محمد الذي يعمل في طرابلس ومكث معي حوالي شهر، حاول إخراجي من سرت لكن آمر ديوان الشرطة أبو حمزة المصري منعه واصطدم مع شقيقي، وقال له لن تأخذها من سرت وهي وصيتي أوصاني بها زوجها المتوفى، ليرضخ شقيقي ثم يخرج من سرت بسبب مضايقة عناصر داعش، لأنه لم يبايع التنظيم.
دورات شرعية مستمرة كانت تقام لجند داعش، كانوا يلقنوننا فيها كتاب الأصوبعد انتهاء عدتي حضرت إلي نساء بينهن أم عائشة التونسية، تطلبني للزواج من أبي حمزة المصري، وكنت أرفض لأنني كنت أرغب في الخروج من سرت، بينما سياسة داعش تنص على أنه إذا مات زوج إحدى النساء، يتزوجها على الفور آخر من عناصر داعش لأنهم يخافون خروج أسرار التنظيم.
وبعد فترة تقدم لي شخص آخر يدعى أبوغازي السوري، وفي ذات الوقت نقلني أبو حمزة المصري إلى بيت آخر في الحي رقم 2، وبدأت الحرب مع قوات البنيان المرصوص، وأخبرتني أم عائشة التونسية أن أبا حمزة المصري سينقلنا إلى شقة في عمارات 600، وجدت فيها قرابة 70 امرأة من مختلف الجنسيات.

زواج بالإكراه.. ومهر أقل من ربع دولار!


لم يتركني أبوحمزة وشأني، فظل يبعث لي بين الحين والآخر أم ضياء زوجة أبوالله المصري آمر الحسبة، وذات يوم أخبرتني أنه إذا لم تتزوجي من أبي حمزة المصري فإنه سيأخذ أطفالك إلى مكان في حي رقم ،1 يطلق عليه أشبال الخلافة، يوضع فيه الأطفال بعد انتزاعهم من أهلهم، ولا يرجعون إلى أهلهم إلا حين المغرب، حيث تتم تربيتهم على الفكر الداعشي وطاعة البغدادي، ومن هم فوق سن 14 سنة يدربونهم على حمل السلاح في المعسكرات، ويدخلون بهم جبهات القتال.
حينها عجزت ورضخت لطلبات أبي حمزة، ويدعى ح.حنفي، من مواليد القاهرة 1989 وتزوجته في منتصف شهر أغسطس عام 2016، ووقعت على ورقة في البيت مكتوب فيها المهر وقدره دينار ليبي، ما يعادل أقل من ربع دولار، نقلني لأيام إلى منزل في الجيزة البحرية، ثم نقلني إلى مضافة النساء ولم أعد أراه إلا أحيانا، وقام بمعاشرتي أياما لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
حدث نقاش محتدم بيني وبين زوجي أبوحمزة، عندما أخبرته بنيتي الخروج من سرت، فرد علي حرفيا "أقطعك تقطيع إذا حاولت"، وذات يوم حاولت الهروب فعلا، فأمسك بي شخص يدعى ع.الكرامي، وسبني وأرجعني إلى مضافة النساء.
اشتد القتال مع قوات "البنيان المرصوص"، واقتحم عناصر داعش محلات المواد الغذائية والملابس في سرت، فأخذوا منها ما يريدون لسد احتياجاتهم وانتقلت وقتها إلى سكن أم أحمد السيناوي، وفي يوم 26 من شهر أكتوبر جاءني ف.عطية أحد قياديي داعش، وأخبرني بوفاة زوجي أبوحمزة برصاصة قناص وشاهدته دفن بملابسه في مضافة ف.عطية.

جحيم داعش


كان هناك ممر تحت الأرض ارتفاعه متر تقريبا، وطوله 20 مترا، يخرجك من مضافة ف.عطية إلى مضافة أبو حاتم السنغالي، وهي مضافة خاصة بالأفارقة بت فيها ليلة واحدة.
في اليوم التالي عند العصر أحرق أبو حاتم السنغالي المضافة ونحن فيها، ومعنا نساء وأطفال وشاهدت بأم عيني طفلا يحترق، وكاد أن يحترق ابني أيضا بعدما شبت النيران في ملابسه، لكنني أنقذته بسرعة وخرجت أنا وأبنائي مسرعين، رغم أنني كنت حاملا بطفل من أبي حمزة.
لم أعرف إلى أين أذهب، أخذت طريقا مع أم أسامة ونحن نسمع الرصاص في كل مكان حتى وصلنا إلى قوات البنيان المرصوص يوم الثالث من ديسمبر. أنا الآن في السجن مع أطفالي، فقدت زوجي وغبت عن أهلي بسبب داعش، لا أعرف كيف مرت كل هذه الأحداث، لكن ما أعرفه الآن هو ندمي على الدخول إلى تنظيم إرهابي قتل الليبيين وعاقب حتى من انضم إليه، ولعل محرقة أبي حاتم السوداني أبرز دليل على ذلك.

تحقيق خاص لـ"أصوات مغاربية"