رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

'الوزيعة'.. احتفال وتضامن عند الأمازيغ في الجزائر


الوزيعة في الجزائر

مع إطلالة المواسم الفلاحية والدينية، كالحرث، وجني الزيتون وشهر رمضان وعاشوراء، تستعد القبائل القروية في الجزائر لتنظيم تظاهرة "الوزيعة"، أو "تمشرط" كما تسمى في بلاد القبائل الكبرى والصغرى.

الوزيعة من الظواهر الاجتماعية التي تعود إلى ما قبل الإسلام في شمال أفريقيا، يقول الباحث في التراث الأمازيغي المؤرّخ محمد آرزقي فراد، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، عن هذا "التراث الضارب بجذوره في أعماق التاريخ".

عادة أمازيغية...

يقول آرزقي، إن العنصر العربي عندما دخل إلى شمال أفريقيا، وجد القبائل وسكان المداشر يحيون هذه العادة التي كانت تسمى "ثمشرط"، فأعجب بها، وأطلق عليها اسم الوزيعة، لأنها "قيمة من قيم المجتمع التي تجسّد التضامن والتآزر والتعاضد".

ويشير مؤرّخ التراث الأمازيغي في الجزائر، إلى أن الوزيعة تواجدت في المجتمع القروي القبائلي القديم، وهو "مجتمع ريفي مؤسّس على التضامن والتآزر".

ويواصل أرزقي حديثه عن "الوزيعة" في فترة ما قبل الإسلام، حيث "كانت كل الأعياد مرتبطة بالفلاحة"، مضيفا، أن منطقة القبائل مثلا اشتهرت بعدة مواسم فلاحية، من بينها استقبال عيد "آماغرت ثافسوت"، ويعني بالعربية "عيد استقبال الربيع، ثم تظاهرة أخرى لاستقبال الصيف، وكانت تُنظّم في شهر يوليو من كل سنة".

طقوس النار..

ويوضّح آرزقي فراد، أن الوزيعة كان يستفيد منها الفقير والغني، واقتصرت قديما على الأعياد الفلاحية، بإقامة طقوس إشعال النار في فضاء واسع، يشهد سباق قفز كل من له القدرة البدنية على تلك النار المشتعلة، مرددين أغنية مطلعها "اليوم عيد الصيف، ما نمرض بالحمى، لا في الصيف ولا في الشتا".

ويؤكد الباحث، أن "تمشرط" كتعبير شعبي، تعايش مع الإسلام، مضيفا أن الوزيعة أو "تمشرط"، تنقسم إلى 3 مظاهر.

أنواع الوزيعة..

المظهر الأول، أن يتبرّع أو يتصدّق أحد السكان من ميسوري الحال برؤوس من الضأن أو عجل، لسبب أو لآخر، لصالح سكان القرية، فتُقام الوزيعة، ويوزّع اللحم بدون مقابل على كل السكان.

أما المظهر الثاني، يضيف المؤرّخ والباحث في التراث الأمازيغي، أن يجمع أعضاء "تاجماعت"، وهم من أعيان القرية المال لشراء عجل، لتوزيع لحمه على سكان القرية، وإن لن لم يكف المبلغ للشراء، يكلّف كل سكان القرية بجمع المال المتبقي بالتساوي.

بينما يتلخص المظهر الثالث، في وقوع حادثة قد تؤدي إلى إصابة عجل، فيتم ذبحه بعد اتفاق على جمع ثمنه من السكان، وتوزيع لحمه بالتساوي، وهذه المهمة يكلّف "البرّاح"، بتبليغها لأهل القرية.

ويرى أرزقي فراد، أن المناسبات في الوقت الحالي، توسّعت من الفلاحية والدينية إلى المهنية، مثل عيد العمال، مفسرا ذلك، بـ"تطور المظاهر والعادات الاجتماعية في المجتمعات القروية".

وانتقد أرزقي فراد، نزوع بعض شيوخ الوهابية، إلى تحريم هذه العادة التي يصفونها بـ"الوثنية، رغم أنها تحمل قيم التآزر لسكان المغرب الكبير".

البحث عن الهوية..

ويؤكد الباحث في التراث الشعبي أمين بودفلة، لـ"أصوات مغاربية"، ما ذهب إليه زميله آرزقي فراد، من أن الوزيعة عادة أمازيغية، ظهرت قبل الإسلام، واصفا إياها بـ"الطقوس القديمة، التي كانت القبائل تقدّم فيها الذبائح في المواسم".

وفي غرب الجزائر تنتشر عادة "الوزيعة"، حيث يشير بودفلة إلى أنها كانت موجودة إلى غاية الستينيات في مناطق "بني مسهل، وفلاوسن، وترارة، غرب تلمسان على مقربة من الحدود مع المغرب".

وفي بني مسهل بالضبط، تُقام الوزيعة على الطريقة التقليدية بعد انقطاع دام سنوات، بسبب الأزمة التي مرت بها الجزائر، ويفسّر المتحدّث عودة هذا التقليد، بكونه مظهرا من مظاهر البحث عن الهوية، كما هو الأمر بالنسبة للفنتازيا ومواسم الوعدة".

البعد الأفريقي..

ويكشف بودفلة الطابع الأفريقي للوزيعة في الغرب الجزائري، الذي تأثّر بالجنوب الغربي للبلاد، حيث تكثر الزوايا وطرق التصوّف، مشيرا إلى طريقة "كناوة" في مدينة ندرومة التاريخية، وتقام "وزيعة كناوة، في الشتاء والربيع، حيث يتجوّل الكرنفال، في أزقة المدينة يتقدّمه الثور، ويجمع كناوة المال من السكان، ثم يذبحون الثور، ويوزعون لحمه بالتساوي".

المساواة بين السكان..

ويقول الفنان القبائلي حسين واعلي لـ"أصوات مغاربية"، إن تمشرط، وتسمى أيضا "تاوزعت" في بعض مناطق تيزي وزو، تُقام على أساس التوزيع العادل للحم بين كافة السكان،بغرض تكريس المساواة بين أبناء الدشرة، مضيفا أن أعيان تاجماعت يشرفون على عملية بيع بالمزاد لرأس وأرجل العجل، و"يُحوّلون تلك الأموال لشراء عجل في موسم قادم".

وحسب واعلي، الناشط في مجال عروض التراث وتقاليد منطقة القبائل، فإن قرى مثل بني دوالة، و"آسافركان"، وبوغني، ومعاتقة، وميشلي، وآس بوادوا، ما زالت تنظّم الوزيعة، قرب أضرحة المتصوفين.

ويضيف المتحدّث أن "تمشرط، اختفت خلال العقدين الماضيين، بسبب تأثير الوضع الأمني والمتشدّدين، لكنها بدأت تعود مؤخرا في قرى المنطقة.

تكريم الجد الأكبر..

ومن جهة أخرى يعتبر الباحث في علم الاجتماع، مصطفى راجع، أن التظاهرة، أحد أنواع المساعدات العينية في شكل لحوم، تُقدم في إطار تضامني لتعزيز الروابط بين أعضاء جماعة قبلية أو اتحاد قبلي.

وتوزع الهبة التضامنية، أي "الوزيعة"، في إطار تجمع أو لقاء سنوي بين أفراد تجمعهم روابط قبلية، حسب راجع الذي تحدّث لـ "أصوات مغاربية"، عن الارتباط الوثيق في الوقت الحالي للقبيلة بالولي الصالح، مشيرا إلى أن القبيلة، ترى بأن هذه التظاهرة، هي تكريم لوصايا الجد الأكبر الذي جمعهم.

ويضيف الباحث في علم الاجتماع، أن هذه التجمعات ترتبط، بولي صالح، وهو الجد المؤسس للاتحاد القبلي الذي يعود إليه الجميع، حيث يعطي الانتماء له، معنى لارتباط الجماعة، أو التجمعات القبلية.

ويعتقد المتحدث، أن "كل هذه الممارسات، والمعتقدات، تساهم في تعزيز الروابط بين الأفراد، والتماسك والتضامن لمواجهة المخاطر و التحديات التي تفرضها البيئة الخارجية".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG