رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

يساعدون بعضهم دون مقابل.. 'التويزة' عند أمازيغ الجزائر


نساء من القبائل بتيزي وزو يحضرن وجبة كسكس بشكل جماعي

ما تزال العائلات الأمازيغية في الجزائر، وفي منطقة "القبايل" تحديدا، تحافظ على موروثها الثقافي من خلال توارثه جيلا بعد جيل، حتى يبقى صامدا أمام متغيرات الزمن.

من هذه العادات "التويزة"، وهي عمل جماعي تطوعي وتضامني بين أبناء القرية، من أجل المساهمة في إنجاز وتدبير أعمال، غالبا ما تكون دون مقابل مادي.

ويعرف أستاذ التاريخ بجامعة سكيكدة، علاء الدين يحياوي، "التويزة" على أنها مظهر من مظاهر التضامن الاجتماعي في المجتمعات التقليدية، يقوم خلالها أفراد الحي أو القرية، دوريا، بتقديم خدمة إلى فرد من أفراد الجماعة المنتمين إليها، بشكل مجاني.

مظاهر هذه العادة الاجتماعية

بحسب الباحث علاء الدين يحياوي، فإن هذا الشكل التضامني، يولد الشعور بالانتماء إلى الجماعة، ويقضي على الفُرقة، ويعزز تماسك المجتمع التقليدي الصغير، ويغرس روح التعاون بين أفراده.

إقرأ أيضا: 'الوزيعة'.. احتفال وتضامن عند الأمازيغ في الجزائر

ويقول يحياوي، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن مظاهر "التويزة" في الجزائر متعددة ومختلفة، تتمثل عند الرجال في بناء المساكن والحصاد وجني المحاصيل وحفر الآبار، أما عند النساء تكون في هذه الممارسة عبر المساهمة في فتل الكسكس وإعداد "المَنْسَجْ" وغيرها.

وأثناء هذه العملية، يوضح يحياوي، يردد "التَوّازَة"، أي الأشخاص المتطوعون لإنجاز مهام ضمن القبيلة أو القرية، الأغاني والأشعار الشعبية والعبارات الحماسية والحكايات والمغامرات لخلق جو تضامني يخفف من ثقل العمل.

وخلال "التويزة"، يؤكد الباحث أنه عادة ما تقام وليمة كبيرة، يكون الطبق الرئيسي فيها أحد المأكولات الشعبية، على غرار "الكُسْكُسْ" أو "الشَخْشُوخَة" أو "البَرْكُوكُسْ".

ووفق تصور أستاذ التاريخ بجامعة سكيكدة، فإن هذه المظاهر تحمل دلالات اجتماعية عميقة، كونها تساعد على رأب الصدع وحل المشاكل، وتقوي ترابط العائلات، وتكرس مبدأ التعاون والمودة، كما أنها تنمي روح العمل الجماعي.

ظاهرة عابرة للزمن

"التويزة هي ظاهرة اجتماعية عملية بالأساس، تعبر عن عمل فني يلتقي فيه الصوت مع الإنتاج"، هكذا يختصر الباحث في علم الاجتماع بجامعة المسيلة، ناجح مخلوف، هذه العادة الاجتماعية.

ويعتبر الباحث، في معرض حديثه مع "أصوات مغاربية"، أن التويزة تتشكل عبر فترات ومواسم معينة من السنة، مثل موسم الحرث والبذر والزرع والجني وجز الصوف.

وفي نظر مخلوف فإن تضامن مجموعة من الأشخاص لفائدة شخص من المجموعة، بطريقة تطوعية، يعكس جملة من العادات والتقاليد للتجمعات القبلية، على اعتبار أنها ظاهرة منتشرة في معظم أرجاء دول المنطقة، وفي المجتمعات الأمازيغية تحديدا.

ومن هنا يخلص مخلوف إلى نتيجة مفادها أن التويزة هي "فعل تضامني حضاري يعكس الأبعاد الاجتماعية عبر التجمع وآلية التضامن لدى كل الفئات، ومن خلال الجنسين".

وتعمل هذه العملية، في منظور الباحث، على تحقيق فرص التعاون والتكافل وتقديم المساعدة لمن هم بحاجة لها، من خلال الاتفاق على توزيع الأدوار وتبادلها وكيفية أداء العمل.

عقاب لمن لا يشارك

في تقدير أستاذة علم الاجتماع بجامعة مستغانم، فريدة مشري، فإن التويزة هي شكل من أشكال التضامن، حيث يسهم فيه أفراد المجتمع التقليدي، بصفة آلية، في مساعدة بعضهم البعض، عكس المجتمع الحديث "الذي يخصص مؤسسات عضوية تقوم بهذه الوظيفة".

وترى مشري، في حديثها لـ"أصوات مغاربية"، أن المجتمعات التقليدية تعتمد على مبدأ "الهبة في مقابل الهبة"، إذ لا يعتمد الناس على النقود للحصول على السلع والخدمات.

ويعاقب الأفراد، ممن لا يشاركون في "التويزة" بحرمانهم من خدمات هذه العادة، أو الطرد من الجماعة، ذلك لوجود قوانين لتنظيم التعاون، ويشكل انتهاكها تهديدا يعاقب صاحبه، بحسب مشري.

كما تشير الباحثة إلى أن تزايد كثافة المجتمعات يصعب تطبيق نظام "التويزة"، وتتلاشى هذه الصفة التضامنية وتتبدد مع كل توسع ديمغرافي واجتماعي.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG