رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

الصوم رابع أركان الإسلام.. أوّلها عند المغاربة؟


مصلون بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء - أرشيف

يحظى شهر رمضان بمكانة كبيرة لدى المغاربة، ويعتبر الصوم من العبادات الهامة التي يحرصون على أدائها، بل ويسبغون عليها قدسية، تجعلها تبدو في مرتبة أعلى، على سلم أركان الإسلام.

فالصلاة مثلا، التي تعد الركن الثاني من أركان الإسلام، "لا تحظى بنفس المكانة التي يوليها المغاربة للصوم".

يظهر ذلك من خلال "الرفض العام" الذي يواجهه المفطرون في رمضان، وتبرير التجريم القانوني للإفطار العلني، بـ"التخوف من ردود فعل المجتمع تجاه الشخص المفطر"، بينما لا يجرّم ترك الصلاة، ولا الامتناع عن أداء الزكاة مثلا، وهما ركنان يسبقان الصوم.

فما الذي يجعل صوم رمضان يحظى بهذه القدسية عند المغاربة؟

رفيقي: "القضية ثقافية وليست دينية"

قد يعتبر البعض أن الأهمية التي يكتسيها صوم رمضان لدى المغاربة ترجع إلى أسباب دينية، خصوصا وأن هناك كثير من الأفكار الشائعة التي تحذر من "العقاب الإلهي" الذي قد يلحق بمن يخل بذلك الركن، أكثر من أي ركن آخر، غير أنه وخلافا لكل ذلك يؤكد الباحث في الدراسات الإسلامية، محمد عبد الوهاب رفيقي، أن هذه القضية "ثقافية أكثر منها دينية".

ويتابع رفيقي تصريحه لـ"أصوات مغاربية" مستدلا على ما سلف، بأن هناك "أركانا أخرى أكثر أهمية في التراتبية الدينية من الصوم، كالصلاة والزكاة"، ومع ذلك، "تجد المغاربة يعتبرون الصيام أعظم، ويتعاملون مع تاركه بتشدد أكبر" يردف المتحدث.

الأمر الثاني الذي يشير إليه رفيقي، الاختلاف في تقدير هذا الأمر بين البلدان، إذ يُعتبر المجتمع المغربي "من أكثر المجتمعات تشددا بخصوص هذا الموضوع"، في حين أن "هناك مجتمعات إسلامية، لا يتم التعامل فيها مع الأمر بهذا التشدد الذي عند المغاربة".

إلى جانب العنصرين السالفين، يشير الباحث المغربي إلى عنصر ثالث، ويتمثل في طريقة تعاطي المسلمين قديما مع هذا الركن، "فلو عدنا إلى السيرة النبوية، سنجد أن الأمر كان أخف بكثير مما عليه الآن" يقول رفيقي، مبرزا أنه "لم تكن هناك عقوبات على المفطرين"، كما "كان أهل الأعذار يفطرون علانية داخل المجتمع الإسلامي، دون أن ينكر عليهم أحد".

مبروكي: "نعيش جميعا أو نموت جميعا"

الخبير في التحليل النفسي، جواد مبروكي، ينطلق في تحليل الأمر من معطيين مترابطين، الأول كون الصيام هو العبادة الوحيدة المقترنة بـ"الحرمان" من الأكل والشرب، والمعطى الآخر يتمثل فيما يمثله الأكل والشرب للإنسان، باعتباره "رمزا للحياة ووسيلة للعيش".

تبعا لذلك يرى مبروكي أن الصيام يحظى بمكانة مهمة انطلاقا من ارتباطه بعامل له علاقة بالعيش، بحيث يعتبر "نوعا من المغامرة"، الأمر الذي يفسر حرص الكثيرين على أن يصوم غيرهم بقدر حرصهم على صومهم، "فإذا أكلت أنت فهذا يعني أنك ستعيش بينما أنا قد أموت"، يقول مبروكي في تصريحه لـ"أصوات مغاربية"، مترجما إحساسا لا شعوريا لدى الإنسان يرتبط بغريزة البقاء، وبكونه كائنا اجتماعيا أيضا.

وإذا بدا ما سبق وكأنه يعطي الصيام طابعا "ماديا حيوانيا محضا"، فإن الدين حسب المحلل النفسي، هو الذي يعطي هذه الممارسة "طابعا روحانيا"، ورموزا تجعلنا ننظر إليه بشكل مختلف، كأن يعتبر وسيلة للتحكم في الذات.

وحسب مبروكي فإن الطابع الروحاني للصيام، والرمزية التي ترتبط به، بدورها من الأمور التي تؤدي إلى أن ينظر إليه كعبادة يجب أن تتم ممارستها بشكل جماعي، وعلى نحو توافقي.

الزاهي: "فرض جماعي يخص الأمة"

من جانبه يرى الكاتب والباحث الأنثروبولوجي فريد الزاهي، أن "الصيام فرض جماعي يخص الأمة بكاملها وله توقيت سنوي"، مشيرا إلى أن "الشرائع والطقوس الحوْلية، (السنوية) لها طابع أعمق في كل الديانات وتشكل إيقاعا وجوديا".

ويشدد المتحدث على الطابع "الجمعي communautaire" للصيام ، "الذي يتجاوز كثيرا طابع الصلاة، إلى حدّ أن بعض المغالين يسعون إلى فرض الصيام على المرأة الحائض لاقتلاع هذا "النشاز" المضرّ بالتناغم" على حد تعبيره.

"الصيام ممارسة جسدية ونفسية وتربوية واجتماعية"، وهو أيضا "شعيرة تمنح التناغم الوجودي والأنثربولوجي للجماعة الإسلامية، أكثر مما تمنحه كل أركان الإسلام الأخرى" يقول الزاهي، ولهذا السبب "يكتسب هذه الأهمية ويُحاط بكل هذا الهوس، خشية خرقه"، لأن في ذلك "خلخلة لكلِّية الجماعة".


المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG