رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

في ليلة من ليالي رمضان، وداخل باحة المنزل أو على سطحه، تجتمع نسوة في لمة سمر.

يتحلقن حول امرأة متقدمة في السن، تردد أهازيج تقليدية تقول: "ما ريتوش ذاك الشباب من زين ما يلبس، يسكر بالياسمين ويعفس في برنجس، يهبط للجامع الكبير ويزين المجلس، يهبط لباب البحر عند بني الرايس، يزيد النص في الجزائر ويزيد آخر في تونس".

ليس المشهد مقتطفا من عمل سينمائي، بل هو إسقاط لجلسة نسوية درجت عليها العائلات العاصمية للعب "البوقالة"، التي تُعتبر موروثا شعبيا، بات حاضرا في سهرات شهر رمضان.​

مفتاح اللعبة

توضح أستاذة علم الاجتماع الثقافي، جميلة معمري، أن أصل جذور كلمة "البوقالة"، أمازيغية، فهي مشتقة من الكلمة الأمازيغية ''أبوقال''، وتعني إناء الفخار.

وتقوم لعبة "البوقالة" على جمع خواتم الفتيات العازبات ووضعها في "بوقالة"، أي في إناء، مع استحضار أمنية محددة، قبل أن تشرع أكبر النساء سنا في خلط الخواتم وسحب واحد.

بعدها، تهم المرأة الأكثر سنا بتلاوة "البوقالة"، التي عادة ما تكون عبارة عن حكمة تتمحور حول التفاؤل بالزواج أو تنبؤ بالخطوبة أو التطلع لحياة سعيدة، وبمجرد أن تنهي، تصاحبها زغاريد النسوة، ما يضفي على المجلس جوا من الفرح والسرور.

وفي جلسات أخرى، تُعوًّض الخواتم بقصاصات ورقية مكتوب عليها كلام "البوقالة" الموزون وتوضع في إناء أو صحن، كما يشرح الباحث في التراث الشعبي، أمين حمليلي.

وتختار كل امرأة من النساء الحاضرات في المجلس ورقة من الإناء، وفي تلك اللحظة تعقد الأخريات عقدة في قماش، مع استحضار أمنية قبل قراءتها.

ويقول حمليلي إن "البوقالة" لعبة خاصة بنساء العاصمة الجزائر فقط، غير أن الإعلام المحلي ساهم في انتشارها، حتى صارت معممة خارج العاصمة.

وتبحث النساء، خلال السهرة الرمضانية، من وراء لعبة "البوقالة"، وفق حمليلي، عن الاستماع، وأيضا لغرس الأمل في نفوس الفتيات العازبات، "من خلال الإنصات لكلام يدعو إلى الفأل الحسن".

ويصف الباحث الجزائري في التراث الشعبي، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، هذه السهرة بـ"المجلس الديني"، ذلك أن الكلام الذي تردده النساء في جلسات "البوقالة" دائما ما تبدأ بـ"الصلاة على النبي".

حظ وعلاج

بحسب أستاذة علم الاجتماع النفسي، فريدة مشري، فإن كلام جلسات "البوقالة" يحمل عدة تأويلات، ويؤدي بمتلقيه إلى تقمص حالات وجدانية عد.

فهذا الكلام عندما يدور حول تمني الارتباط بصفات شخص يتصف بالجمال والبهاء والقبول، فإنه يجعل المتلقي يغيش حالة نفسية جيدة، وفق مشري.

في المقابل، توضح أستاذة علم الاجتماع النفسي، في معرض حديثها مع "أصوات مغاربية"، أن البوقالة تخلق الحزن كذلك عند المتلقي، كونها تذكره بحدث أليم في حياته، أو توحي إليه بأنه يملك الصفات السلبية للشخصية التي تحكيها أهازيج "البوقالة".

"البوقالة تحمل بعدا نفسيا يخلق لدى من يمارسها حالة من الاسترخاء والراحة النفسية، على اعتبار أنها لعبة، تحمل بعدا ترفيهيا، تجمع بين مجموعة من النساء للتخفيف عن النفس والخروج، ولو لفترة، من الضغوط اليومية.

بين الماضي والحاضر

أما أستاذة علم الاجتماع الثقافي، جميلة معمري، فترى أن "البوقالة" هي عبارة عن ممارسة تقوم على معرفة الطالع (المستقبل)، ولها وجود تاريخي ومعاصر.

"رغم اندثار اللعبة، بطقوسها المعقدة وأبعادها الأسطورية، بسبب عوامل التحديث والتكنولوجيات الحديثة، إلا أنها ما زالت باقية كمخلفات ثقافية، تعبر عن الأمنيات والطالع المليء بالفرح"، تضيف معمري

وتمثل "البوقالة" بالنسبة للنساء، وفق تقدير الباحثة، علاجا نفسيا للتعبير عن ما تتمناه الفتاة، خاصة في مجال الحب والزواج، و"هي علاج اجتماعي أيضا لنساء غرقن في يوميات متعبة ومشاكل اجتماعية لا تنتهي".

وتخلص معمري، في حديثها لـ"أصوات مغاربية"، إلى أن "البوقالة" تحولت من "طقس أسطوري وسحري" إلى "مجرد لعبة للتخفيف عن النفس وكسر الروتين وتلطيف ليالي رمضان الطويلة".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG