رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

في المدينة القديمة بالرباط.. مهن تحتضر


فرن تقليدي بالمدينة العتيقة بالرباط

'الجديد لِيهْ جدة والْبَالِي لا تْفَرّْطْ فيه'، مثل شعبي مغربي شائع 'لم تعد تعمل به فئة كبيرة من المغاربة'، في علاقتهم ببعض الحرف التقليدية.

الْخْرَّازْ (الإسكافي) والأفران التقليدية والْمَّاكْنِي (السَّاعاتي)، كلُّها حرف مغربية عتيقة تتجه نحو الزوال، لعدة أسباب؛ أبرزها التكنولوجيا وغزو البضائع الرخيصة للأسواق المغربية.

الْخْرَّازْ.. حرفة قتلها رخص الأحذية

''القيمة المالية للحذاء والبلغة (نعل تقليدي مغاربي) انخفضت؛ أغلب المغاربة أصبحوا يشترون أحذية غير أصلية ثمنها 60 درهما، يرمونها إذا قُطِّعَت بدل إصلاحها لدينا ويشترون أخرى جديدة"، يقول إسكافي بالمدينة القديمة بالرباط يدعى عمر.

عمر، الذي يمارس هذه الحرفة منذ 33 عاما، يضيف، في حديث مع 'أصوات مغاربية'، أن سلعة الشِّينْوَا (الصين) أفقدت جميع الحرف التقليدية المغربية قيمتها، وليس فقط حرفة الإسكافي.

إسكافي بالمدينة العتيقة بالرباط
إسكافي بالمدينة العتيقة بالرباط

أحد زبناء عمر، الذي جاء إليه بنعل نسائي جلدي لإصلاحه، يقول إنه لم يعد يستعين بخدمات الإسكافي إلا في أحيانَ نادرة، مضيفا "لم يعد لدي غرض به؛ فعندما تمزق أحذيتي أرميها وأشتري أخرى جديدة".

عمر يَصْرِفُ من هذه الحرفة على أربعة أبناء ضمنهم اثنان من ذوي الاحتياجات الخاصة، فضلا عن والدته وخالته وزوجته، وزاول عدة حرف سابقا؛ إذ اشتغل في فرن تقليدي ونادلا في مقهى وخياطا، قبل أن يهتدي إلى حرفة الإسكافي، التي ورثها عن والده، متمسكا، حسب ما قاله، بالمثل الشعبي المغربي الذي يقول 'حرفة بُوكْ لَيْغْلْبُوكْ'.

المتحدث يفيد، بملامح وجه عنوانها الحسرة، بأن هناك من زملائه من استغنوا عن هذه الحرفة، بعد أن وجدوها لا تُدِرُّ عليهم مدخولا ماليا كافيا، كما يعتبر أن هذه الحرفة لم تعد تُوَرَّثُ في المغرب، ضاربا المثل بابنه، البالغ من العمر 27 عاما، الذي يترك عمر يتكلم لوحده ويغادر كلَّما فاتحه في موضوع 'تعلم حرفة الإسكافي'، لكن رغم رغبة عمر في توريث الحرفة لابنه، فإنه يرى أن جيل اليوم لن يستطيع إتقان هذه الحرفة، لأنها تتطلب قدرات عالية؛ خاصة في التعامل مع الزبناء كل حسب طبيعته الخاصة.

صاحب عربة بيع تين يستقر بجانب عمر يقول إن المغاربة الذين يشترون أحذية غالية لا يأتون بها إلى الإسكافي، وهي الفئة التي يرى عمر أنها تنظر إليه بنظرة مفادها 'الْحُكْرَة' والاحتقار'، ويرجع أسباب ذلك إلى كونه يصلح الأحذية في عربة في الشارع، وليست لديه أدوات اشتغال متطورة.

"بالظروف الحالية، ستنقرض هذه الحرفة، خاصة أن الشباب المغربي الحالي لا يريد تعلمها ويستعر منها"، يصرح عمر، مبينا أن المال الذي يربحه، حاليا، من هذه الحرفة في النهار يصرفه في الليل.

الفرن التقليدي.. 'عوضته البيتزا والبانيني'

"الْبَانِينِي والبيتزا والوجبات السريعة هي التي نالت من الأفران التقليدية، بحيث لم يعد إلَّا القليل من المغاربة يتناول الأكل في البيت"، يقول المعلم البشير الذي يشتغل في فرن تقليدي يقع في واحدة من الأزقة الضيقة في المدينة القديمة بالرباط، مضيفا أنه لم يعد يزاول هذه الحرفة إلا عندما يجد نفسه مجبرا على القيام بذلك؛ بحيث يشتغل، على مدار السنة، في بيع الملابس والسجائر والمظلات الشتوية، لأن الفرن، حسبه، لم يعد يوفر له المدخول المالي الكافي.

كلام المعلم البشير تؤكده زبونة عجوز لديه، إذ تقول، في تصريح لـ 'أصوات مغاربية'، إن بنات اليوم يعانين من البخل ولم تعد لديهن السواعد من أجل تحضير الخبز المنزلي."أفراد الأسر المغربية لم يعودوا يتواصلون مع بعضهم البعض داخل البيوت، فما بالك بالاجتماع حول الْكَامِيلَة أو الطاجين"، يُشَخِّصُ البشير الواقع المعاش للأسر المغربية، الذي يساهم، حسبه، في سير حرفته نحو الزوال، مبينا أن الزوجة المغربية تصطحب زوجها وأبناءها لتناول الوجبات في محلات تقديم المأكولات الجاهزة، متجنبة إعداد الخبز المنزلي والذهاب به إلى الفرن التقليدي.

فرن تقليدي بالمدينة العتيقة بالرباط
فرن تقليدي بالمدينة العتيقة بالرباط

​إلى جانب المعلم البشير، تشتغل، في الفرن نفسه، شابة قريبة بهيئتها وطريقة تحركها وكلامها من الرجال، ورثت الحرفة عن والدها الذي زاولها لمدة 70 عام، بحيث كانت في الأول تدرس وتشتغل في الفرن في الوقت ذاته، قبل أن تتفرغ لهذا الأخير بشكل كلي قبل 4 سنوات من الآن.

الشابة المذكورة تقول إن التوقيت المستمر للموظفين يعد من الأسباب الرئيسية لنفور المغاربة من الأفران التقليدية؛ وذلك نظرا لكون الموظفين، يشتغلون، كل يوم، إلى حدود الساعة الرابعة بعد الزوال، وهو ما يدفعهم، وفق الشابة، إلى شراء الخبز الجاهز الذي يباع في المخبزات، لأن ضيق وقتهم لا يسمح لهم بتحضير الخبز المنزلي.

الشابة تفيد، أيضا، أن عدد الوْصَالِي (لوح خشبي توضع فيه عجينة الخبز التي يُرَادُ الذهاب بها إلى الفرن التقليدي) التي تأتي إلى الفرن الذي تشتغل به يوميا لا يتجاوز اثنتين، مبينة أن أصحابهما يكونون في الغالب من حاملي الأمراض الذين يمنع عنهم الأطباء تناول خبز المخبزات، وهو فعلا ما أكدته الزبونة العجوز؛ بحيث قالت إن إصابتها بمرض السكري هي التي تجبرها على التعامل مع الفرن التقليدي.

فرن المعلم المحجوب أصبح يشتغل حاليا، فقط، على تحضير خبز يبيعه لأصحاب محلات البقالة والمقاهي وبائعي الخبز المتجولين، وهو الأمر الذي تساعده فيه الشابة المذكورة على مستوى التوزيع.

"الأفران التقليدية في المدينة القديمة بدأت تغلق أبوابها بصفة نهائية، لأن مزاولي هذه الحرفة الأوائل لم يعلموها لأشخاص آخرين يرثونها بعدهم"، تقول الشابة لـ 'أصوات مغاربية'، ليردف المعلم البشير بعدها أن 10 في المائة فقط من النساء المغربيات من لا يزلن يلجأن إلى الأفران التقليدية، مبرزا أن هذا الحكم لا يشمل نساء البوادي.

الْمَّاكْنِي.. 'دوري أخذه الهاتف'

"الساعة أصبحت حاليا في الهاتف، وأغلبية الناس أصبحوا يشترون ساعات يدوية شِينْوَا (يقصد بها غير أصلية) رخيصة الثمن، عندما تتعطل يرمونها ويشترون أخرى جديدة"، كان هذا كلام السَّاعاتي يونس، البالغ من العمر 44 عاما، الذي يزاول حرفة إصلاح الساعات اليدوية المعطلة منذ 20 عاما مضت.

في حديث له مع 'أصوات مغاربية'، كشف يونس أن الْكْزَا (منطقة في المدينة القديمة بالرباط) كانت تضم 20 ساعاتيا، ليصبحوا حاليا ثلاثة فقط، مفسرا ذلك بكون مزاولي هذه الحرفة الحاليين كبار في السن، فضلا عن عدم تعلم الشباب المغاربة لها لكي تستمر ولا تنقرض، بحيث يقول يونس، في هذا الجانب، "إن هؤلاء ينظرون نظرة 'حكرة' إلى هذه الحرفة، ويفضلون البحث عن عمل مع الدولة؛ يوفر لهم العطل الأسبوعية والسنوية والتقاعد".

ساعاتي بالمدينة العتيقة بالرباط
ساعاتي بالمدينة العتيقة بالرباط

ويتوقع يونس أن تنقرض حرفته بالمغرب بعد مرور 10 سنوات كأقصى تقدير، لأن أغلب مزاوليها الحاليين، حسبه، أشخاص ستِّينيُّون، بحيث يوضح قائلا: "سيصبح الناس وقتها يشترون الساعات اليديوية ويرمونها بعد أن تتعطل، لأنهم لن يجدوا، حينها، أماكن يصلحونها فيها"، إذ أن هناك، حسب واحد من زبائن يونس، أشخاصا مدمنين على شراء الساعات اليدوية، ويحسُّون أنهم عراة إذا لم يرتدوها.

"الصناعة التقليدية لم تعد ذات قيمة في المغرب، ويجب أن يُدَرَّس إصلاح الساعات اليديوية في مؤسسات التكوين المهني المغربية"، يرشد يونس إلى هذا الأمر لإبقاء هذه الحرفة حيَّة، مبرزا أن هذا التخصص كان يدرس في إحدى مؤسسات التكوين المهني بالدار البيضاء، لكنه حذف حاليا، متسائلا: "إذا أراد الشباب المغاربة تعلم هذه الحرفة، فأين سيتعلمونها؟".

كما يطلب يونس من الدولة الاعتناء بهذه الحرفة، مستنكرا كون مزاوليها لا يتوفرون على تقاعد، ولا توفر لهم الدولة، على الأقل، أطباء يكشفون على صحة عيونهم، التي تعد، حسبه، أداة الاشتغال الرئيسية في حرفته.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG