رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

مدينة درنة الليبية.. بين سطوة التشدد وحكم العسكريين


محتجون ضد نظام القذافي (2011)

انتهت حرب جديدة شهدتها مدينة درنة، التي تقع على الساحل الشرقي لليبيا، بإعلان الجنرال خليفة حفتر السيطرة على المدينة، التي بقيت طوال الفترة الماضية تحت حكم جماعات مسلحة مختلفة الانتماء.

درنة، التي عُرفت قديما بمدينة الثقافة والفن والشعراء، عاشت على وقع جولات من الصراع، في ظل بروز للتيارات الإسلامية المتشددة، حتى في فترة ما قبل الثورة على نظام معمر القذافي.

ومباشرة بعد إعلان الجنرال خليفة حفتر "عملية الكرامة" في شرق ليبيا، لمحاربة التنظيمات المتشددة، أعلنت الجماعات الإسلامية المسلحة في درنة، بينها داعش، رفض الانصياع لحفتر الذي حاصر المدينة منذ نهاية عام 2014.

ووقعت اشتباكات بين تنظيم داعش المتشدد ضد تحالف جماعات إسلامية تحت مسمى "مجلس شورى مجاهدي درنة"، بينها "أنصار الشريعة" و"جيش الإسلام" و"كتيبة أبو سليم"، التي كان لها دور بارز عسكريا في محاربة نظام القذافي عام 2011.

وانتهت الاشتباكات بسيطرة تحالف "مجلس شورى مجاهدي درنة" وانسحاب تنظيم داعش من درنة في أبريل 2016، لاجئا إلى مدينة سرت، حيث كان التنظيم يعد العدة لتوسيع قاعدته وسط البلاد.

واليوم، يعلن حفتر السيطرة على درنة بالكامل، بعد اشتباكات مع مسلحي "مجلس شورى مجاهدي درنة" الذين يتهمهم حفتر بإيواء عناصر منتنظيم القاعدة، لتدخل درنة إلى مرحلة حكم عسكري، تحت سيطرة الجنرال حفتر، بعدما ظلت تحت حكم عسكري آخر هو العقيد معمر لقذافي، في فترة عرفت تنامي نزعة التشدد بالمدينة.

جراحة خاطئة

هاجم العقيد معمر القذافي مدينة درنة عام 1996 بآلاف الجنود برا، وبالطائرات الحربية جوا، عندما كانت "الجماعة الليبية المقاتلة"، المتشكلة من العائدين من أفغانستان، تحاول السيطرة على المدينة.

الحملة العسكرية على درنة قادها اللواء عبد الفتاح يونس، وانتهت بتفتيش دقيق للبيوت، وملاحقة المتشددين في جبال درنة المعروفة بتضاريسها الوعرة.

يقول المحلل السياسي، راقي المسماري، في هذا الصدد، إن الفكر المتشدد داهم درنة في فترة حكم القذافي، عندما تعاملت الأجهزة الأمنية بعنف واعتقلت بعض المشتبه فيهم، ممن لا يملكون أفكارا متشددة عام 1996.

ويتابع المسماري لـ"أصوات مغاربية" موضحا أن "بعض من اعتُقل في سجن أبو سليم لا ذنب لهم"، موضحا أن الأفكار المتشددة انتقلت وقتها من القيادات إلى السجناء العاديين، وعند خروج هؤلاء من السجون نقلوا التشدد إلى أجيال أخرى.

"القذافي لم يعالج التشدد في مدينة درنة بالطريقة الصحيحة، عبر التنمية وخلق فرص العمل للشباب، واستمر في انتهاج سياسة القمع والتهميش على أبناء درنة"، يردف المحلل السياسي.

جذور التشدد

انتشار الفكر المتشدد في ليبيا بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وقتها بدأ الصدام بين القذافي وأتباع الصوفية، حينما هدم العقيد القذافي زاوية الجغبوب، واستخرج جثمان الإمام السنوسي وأغلق الجامعة السنوسية.

وعاشت درنة، منذ ذلك الوقت، على وقع دخول أفكار متشددة، إذ يؤكد عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، شكري الحاسي، أن ظهور الأفكار المتشددة في المدينة يعود إلى "الفراغ الديني، ولأسباب اقتصادية، وروح رفض النظام خلال فترة حكم القذافي".

ويرجع الحاسي أسباب التشدد في درنة أيضا إلى "ظهور الخطاب الإسلامي الوهابي السلفي"، أو ما يعرف بــ"الصحوة"، وهو خطاب "أخرج للعلن مسائل تكفير الدولة والأنظمة والتبديع والتفسيق، وأدى إلى انتشار أفكار تكفير من يعملون في الجيش والشرطة"، وفق الحاسي.

"لا شك أن للأسباب الاقتصادية التي عانت منها المدينة خلال فترة حكم القذافي، مثل صعوبة العثور على فرص العمل، وعدم وجود مشاريع تنموية، والبطالة، ونقص الوعي الديني، تسببت في انخراط الشباب في الجماعات المتشددة"، يردف عضو اتحاد علماء المسلمين.

ويعتبر الحاسي أن المشكلة الحقيقية في درنة الآن هي أن "الشباب المتحصلين على السلاح يؤصلون المسائل الفقهية"، و"أصبحت لديهم قناعات فكرية، عكس الجماعات السابقة فترة التسعينات، حيث كان تأصيل المسائل الفقهية موكولا بالقادة فقط".

في كنف الظلام

المدينة الساحلية اكتست بوشاح أسود خلال فترة سيطرة جماعات متشددة عليها، حينما أرادوا تحويلها إلى إمارة إسلامية حيث شاهد أهل المدينة عمليات إعدام وتقطيع رؤوس وأيادٍ، وعمليات ذبح في ساحة مسجد الصحابة عام 2015.

هذه الأوضاع يحمل الخبير العسكري، أحمد باني، مسؤوليتها إلى "السجناء والمعتقلين الذين خرجوا بعد الثورة الليبية، وخاصة ممن كانوا في أفغانستان"، موضحا أنه كان لهؤلاء "أثر كبير في تشدد الجيل الجديد في درنة، حيث وجد هؤلاء بيئة فوضوية أمامهم"، وفق تعبيره.

ويتابع باني، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، قائلا: "كانت درنة شاهدة على أول مسرح شعبي يقام في ليبيا، وأهلها يتميزون بالتمدن والتحضر منذ فترة الخمسينات، حيث كان أغلب العاملين في قطاعات الدولة هم من درنة، ثم أهملتهم الحكومات المتعاقبة، سواء في زمن القذافي أو بعد الثورة الليبية".

ويعتبر باني أن سبب رفض الشباب في درنة الانضمام إلى الجيش والشرطة يرجع إلى العوز والفقر من جهة، وإلى عدم دفع المرتبات في جل قطاعات الدولة، فضلا عن تأثير التيارات الإسلامية المتشددة على شباب المدينة.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG