رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

فرحات عباس.. جزائري عارض الحكم الفردي فسجنه رفاقه


فرحات عباس يحدث إلى رئيس غانا والرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة (1961)

"بحثتُ في التاريخ، وسألت الأحياء والأموات، وزرت القبور، فلم يحدثني أحد عن هذا الوطن"، عبارة شهيرة قالها السياسي الجزائري المعروف، فرحات عباس، في بداية نشاطه السياسي، وظلت مرتبطة به.

ورغم أنه كتب بعد ذلك: "الوطن الجزائري الذي لم أجده سنة 1936 في أوساط العامة من المسلمين، وجدته اليوم"، فإن موقفه الأول ظل مؤثرا في حياته السياسية حتى مماته.

"الرجل ظلمه التاريخ، ويجب أن نضع أفكاره في سياقها الزمني"، يقول أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة تلمسان، عبد القادر بن داود، موجزا كل النقاش الذي دار وما زال يدور حول عباس.

ابن 'القايد'

ولد فرحات عباس مكي، بمدينة الطاهير، بولاية جيجل، شمال شرق الجزائر، عام 1899، وسط عائلة امتهنت الفلاحة، وتتكون من 12 فردا.

كان والده يشغل منصب "قايد" لدى الإدارة الفرنسية، بدوار بني عافر، وقد عُرف عنه "الورع والتقوى، ومساعدة أبناء منطقته، وكان يتعامل الند للند مع الإدارة الاستعمارية، عكس قياد زمانه"، وما ذكره الباحث في تاريخ الجزائر، علي تابليت، في كتاب "فرحات عباس رجل دولة".

ويضيف تابليت، في سرد مسار فرحات عباس، أنه تخرج عام 1935 من كلية الصيدلة والطب بالجزائر، ثم عاد إلى سطيف حيث "بدأ نشاطه التضامني، وأوجد صلات بين عامة الشعب وبرجوازية المدن".

ويرى الباحث وأستاذ التاريخ عبد القادر بن داود أن أفكار فرحات عباس "تأثرت بمجمل التطورات التي عاشتها الجزائر، قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، حيث انتقل من فكرة الاندماج مع فرنسا، بنكران الأمة الجزائرية، إلى فكرة الاستقلال، ومن النضال الإصلاحي إلى العمل الثوري".

ويقول بن داود، في حديثه مع "أصوات مغاربية"، إن البيئة التي نشأ فيها فرحات عباس، أثّرت في صناعة شخصيته وتوجهاته، التي أعلن عنها قبل الحرب العالمية الثانية.

"لقد تربى في عائلة ميسورة الحال، ووضعه لن يفرز إلا حالة مثله"، يردف المتحدث ذاته.

ويضيف بن داود أن فرحات عباس تمكن، بفضل ذكائه، من ولوج المؤسسات التشريعية الفرنسية، ضمن حصة المقاعد النيابية التي كانت تخصص للسكان الجزائريين المحليين.

وقد وقع فرحات عباس، رفقة النواب الجزائريين، على بيان يدعو إلى حل لأوضاع الجزائريين، وسلمه إلى روبرت مورفي، الممثل الشخصي للرئيس الأميركي بالجزائر حينها، بعد دخول القوات الأميركية للجزائر في نوفمبر 1942، طالبا من الحلفاء إيجاد حل للمنطقة بعد الحرب.

وفي مارس 1944، أسس فرحات عباس حزب حركة "أحباب البيان والحرية"، وعقب أحداث 8 ماي 1945، ألقت السلطات الفرنسية القبض عليه، وزجت به في السجن كما حُلَّ حزبه، وأُطلق سراحه عام 1946.

وأعلن عباس بعدها تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، كما أدان المجازر التي اتهمت فرنسا بارتكابها في حق الجزائريين، داعيا إلى "دولة جزائرية مستقلة داخل الاتحاد الفرنسي".

من الاندماج إلى الاستقلال

بدأ فرحات في التغيير التدريجي لأفكاره تُجاه فرنسا، والتخلي عن فكرة سياسة الاندماج التي كان يدعو إليها.

لذلك، يؤكد أستاذ التاريخ عبد القادر بن داود، أنه لا بد أن تخضع مواقف فرحات عباس للدراسة الموضوعية، رغم أنه كتب بعد اندلاع الثورة الجزائرية قائلا: "موقفنا واضح ومن دون أي التباس. إننا سنبقى مقتنعين بأن العنف لا يساوي شيئا".

غير فرحات عباس موقفه من الثورة، وانضم إلى جبهة التحرير، بعد حل الحزب الذي كان يرأسه، والتقى بالرئيس الجزائري السابق، أحمد بن بلة، في القاهرة.

هناك، روج للثورة الجزائرية، كما قام بالأمر نفسه في أميركا اللاتينية، والصين والاتحاد السوفياتي، قبل أن يقود أول حكومة جزائرية مؤقتة، من سبتمبر 1958 إلى أغسطس 1961، حيث خلفه على رأسها يوسف بن خدة.

"في تونس، كان مقر الحكومة الجزائرية المؤقتة يقع في هضبة، وفي منتصف الطريق إلى مقر رئاسة الحكومة، أوقفوا موكبه، وأبلغوا فرحات عباس أن قيادة الثورة قرّرت إنهاء مهامه، فسحبوا منه السيارة التي كانت مخصصة له كرئيس، وتركوه في نفس المكان مترجلا"، يروي الباحث في التاريخ، عبد القادر حريشان.

ويؤكد حريشان، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، أنه تأكد من هذه الواقعة "من مصادر عدة"، مضيفا أن "التعامل مع الشخصيات الوطنية ما زال على هذا النحو، ولم يتغير كأسلوب يتعاطى به أصحاب القرار مع خصومهم".

مواقف متنشجة

بعد الاستقلال، انتُخب فرحات عباس رئيسا للمجلس الوطني التشريعي، أول برلمان جزائري بعد الاستقلال، الذي استقال منه في 13 سبتمبر 1963، بعد معارضته للدستور الذي اقترحته جبهة التحرير.

لم يرق موقف فرحات عباس لرفيقه في النضال، أحمد بن بلة، الذي زج به في السجن جنوب البلاد، ولم يطلق سراحه إلا في ماي 1965.

انقلب هواري بومدين على رفيقه بن بلة وصار رئيسا للجزائر، لكن موقف فرحات عباس لم يتغير من ما يسميه "الحكم الفردي" في الجزائر، فوقّع على "بيان إلى الشعب الجزائري"، في مارس 1976، ندد فيه بالحكم الفردي، فوضعه بومدين تحت الإقامة الجبرية، قبل أن يطلق سراحه يوم 13 يوينو 1978.

"بومدين تعامل مع فرحات عباس من منطلق ضرورة الدولة والنظام، ولو بقي إلى هذا الوقت لغير موقفه، لأن عباس شخصية من العيار الثقيل، وهو رمز من رموز الكفاح السياسي ضد الاستعمار في التاريخ الحديث للجزائر، ومفكر ومثقف"، يقول أستاذ التاريخ، عبد القادر بن داود.

مرت سنوات من سوء الفهم بين فرحات عباس والسلطة في الجزائر، إلى أن جاء الرئيس الشاذلي بن جديد وقلده وسام المقاومة في أكتوبر 1984، سنة قبل وفاته يوم 23 ديسمبر 1985.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG