رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

مشاهد من عذابات أشهر معتقل سري عرفه المغرب


في مثل هذا الشهر من عام 1971 وتحديدا يوم العاشر منه، شهد المغرب المحاولة الانقلابية التي جرت أطوارها في قصر الصخيرات، الذي كان يحتضن الاحتفالات بمناسبة عيد ميلاد الملك الراحل الحسن الثاني بحضور عدد كبير من الشخصيات المغربية والأجنبية.

قاد هذه المحاولة الانقلابية كل من رئيس الحرس الملكي الجنرال محمد المذبوح، وقائد المدرسة العسكرية "هرمومو" محمد اعبابو، وشارك فيها جنود وطلاب من المدرسة المذكورة، والذين أكد العديد منهم عدم علمهم بما سيقوا إليه في ذلك اليوم.

بعدها بسنة وبضعة أسابيع، سيشهد المغرب المحاولة الانقلابية الثانية، التي قادها هذه المرة الجنرال الشهير محمد أوفقير.

المحاولة الثانية جرت في الأجواء، إذ تعرضت طائرة الملك لهجوم من قبل طائرات حربية وذلك أثناء عودته من رحلة خارج المغرب.

انتهت المحاولتان بالفشل، وكانت النتيجة إصابات ووفيات وأيضا إعدامات واعتقالات، فكان مصير العديد ممن شاركوا في المحاولتين، "تازمامارت" المعتقل الشهير الذي دخله الكثيرون شبابا فكان حظ بعضهم مغادرته كهولا وشيوخا، بينما لم يكتب لآخرين الخروج منه أحياء، وفق روايات "ناجين" من ذلك المعتقل ممن حرصوا على توثيق الفظاعات التي عاشوها أثناء تواجدهم فيه.

إليكم أربعة مشاهد من عذابات "تازمامارت" كما رواها اثنان ممن مروا منه:

في ضيافة العقارب والثعابين

في كتابه "من الصخيرات إلى تازمامارت.. تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم"، يحكي محمد الرايس، وهو أحد الناجين من "تازمامارت" كيف كانوا يعانون في ذلك المعتقل سواء كان الفصل شتاء أو صيفا.

ففي فصل الشتاء كانوا يعانون البرد القارس ولم يكونوا يملكون "سوى البلاطة الإسمنتية كسرير"، وبسبب الشروخ في الأسقف فقد كانت مياه الأمطار تدخل لتغرق الأرضية والأغطية.

أما في فصل الصيف فقد كانت المعاناة أكبر، فإلى جانب ما يعانيه المعتقلون بسبب الحر، فقد كانوا يعانون أيضا مع "ضيوف" بعضهم مقرف والبعض الآخر قاتل.

"كانت الحشرات تمتص دمنا وتتكاثر حولنا، والذباب نفسه حلق في الزنازن رغم الظلام، أما الفئران فقد كانت تجري ذهابا وإيابا متنزهة بين زنازننا وفي البهو بحثا عن فتات الخبز أو الشربة" يحكي الرايس، مضيفا أن حضور الفئران كان يقرفهم "لأنه يجلب الثعابين الصحراوية المثيرة للاشمئزاز صاحبة العضات القاتلة، والتي تتسلل بكل سهولة إلى قبورنا".

ولم يقتصر الأمر على الفئران والثعابين، بل حتى العقارب والصراصير والعناكب وأم الأربع والأربعين، وغيرها من الحشرات المقززة والسامة التي كانت تشارك المعتقلين زنازينهم أو بالأحرى "قبورهم".

معاناة مع الأمراض

في "تازمامارت" كان المعتقلون يواجهون المرض عزلا، فيستسلم البعض له إلى أن يأخذ منه مأخذه، ويحاول آخرون مصارعته للنجاة بحياتهم.

ويشير أحمد المرزوقي، وهو ناج آخر من ذلك المعتقل في سيرته الروائية "الزنزانة رقم 10" إلى أن صحتهم "بدأت تتدهور تدريجيا"، وذلك منذ الأشهر الأولى لهم في المعتقل، فبدأوا يشكون من "الزكام الحاد والبواسير ومرض اللوزتين وأوجاع المعدة والمفاصل وانتفاخ البطن والأعضاء التناسلية، إضافة إلى صفير حاد في الأذنين…".

أما الأسنان فقد كانت، وفق المصدر نفسه، "تتساقط بسرعة مفرطة بعد سلسلة من الالتهابات الحادة".

فكان المعتقلون، يعمدون إلى خلع أسنانهم إما ببترها بأيديهم أو بربطها بحبل رقيق يربط طرفه الآخر بالباب ليتم الاقتلاع بعد جرها، "وبطبيعة الحال، لم نكن نفلح من الوهلة الأولى"، يقول المرزوقي "مما يعني أننا كنا نمارس التعذيب على أنفسنا وقتا طويلا حتى يتحقق المراد فنخر بعد ذلك على أرضية الزنزانة صرعى وصدورنا مسربلة بالقيح واللعاب والدم".

مأساة السجين والمرحاض

"السجين الذي قتله المرحاض"، هذا هو العنوان الذي جاءت تحته قصة أحد معتقلي "تازمامارت" الذي توفي بسبب مرحاض.

يتعلق الأمر وفق ما يرويه الرايس بـ"لاجودان العيدي" الذي كان محكوما وفقه بثلاث سنوات سجنا "في قضية الطائرة الملكية".

حسب الرايس فإن هذا السجين كان محبوبا ومحترما و"كان يجاري القدر بنكران ذات" رغم ما كان فيه، قبل أن تبدأ مأساته يوم اختنقت مواسير المرحاض في زنزانته.

يحكي الرايس كيف حاول "لاجودان العيدي" حل مشكلة المرحاض بالماء ولاحقا بسلك حديدي، دون جدوى لدرجة أن الماء القذر والفضلات انتشرت في زنزانته ولطخت جدرانها، فظل يطلب من الحراس نقله إلى زنزانة أخرى بسبب الرائحة النتنة دون أن يستجيب أحد.

وفي الأخير قرر السجين الامتناع عن الأكل حتى لا يضطر لاستخدام المرحاض، ولف وجهه بغطائه ليمنع نفسه من استنشاق الرائحة النتنة في المكان، وظل على تلك الحال حتى مرض وتأكد له أنه مصاب بالسل وبعد فترة وتحديدا في فبراير من عام 1978 توفي.

"أيوب تازمامارت"

"أيوب تازمامارت" هذا هو اللقب الذي أطلقه المرزوقي على أحد المعتقلين في تازمامارت، ويدعى "محمد لغالو"، إذ يقول في إحدى فقرات كتابه إنه بالرغم من كل ما عاناه وقاساه من مروا من ذلك المعتقل "سنسقط في الافتراء إن زعمنا بأننا ذقنا نصف ما ذاقه 'أيوب تازمامارت' أخونا المرحوم محمد لغالو".

يحكي المرزوقي أن لغالو كان لديه جهاز "ترانزستور" صغير، وعندما علم في أحد الأيام بأن تفتيشا محتملا سيقع في الزنازن، كسر الجهاز ودسه في المرحاض الذي اختنق جراء ذلك، فصار في كل مرة يستعمل يديه لصرف النفايات عبر قناته الضيقة، وظل على تلك الحال ليل نهار.

أصيب لغالو بالشلل وصار عاجزا حتى عن التنقل إلى المرحاض، وصار يقضي حاجته في الفراش، وظل على تلك الحال فترة طويلة، وقد حاول عدد من السجناء من بينهم المرزوقي مساعدته إذ كانوا يطلبون من الحراس السماح لهم بالدخول عندهم لمساعدته على الأكل وتقليبه.

ومن المشاهد البشعة التي يصورها المرزوقي في قصة لغالو أنه عندما حاول مرة تجريده من ثيابه "ذهبت قطعة من جلده المهترئ مع مزق من قميصه المبلل فانكشفت بعض من عظامه".

ظل لغالو على تلك الحال لسنوات طويلة إلى أن رحل في أحد أيام شهر يناير من عام 1989 "بعد خمسة عشر سنة من محنة فظيعة قضى منها وهو مشلول ما يزيد على إحدى عشرة سنة، ذاق خلالها تباريح العذاب ما لا يصور ولا يرسم ولا يفسر ولا يوصف".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG