رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

يوسف الصديق: السُّنة مسألة تاريخية يجب أن تُراجع من الصفر


المفكر التونسي يوسف الصديق

"لم نقرأ القرآن، بل اكتفينا بتلاوته فقط".. هذه واحدة من بين أفكار يقدمها المفكر التونسي والباحث في أنتربولوجيا القرآن، يوسف الصديق، الذي يعد أحد أبرز الداعين إلى تجديد الحقل الديني.

في هذا الحوار مع "أصوات مغاربية"، يكشف الصديق أكثر عن أفكاره التي لطالما أثارت جدلا في أوساط مغاربية وعربية ومسلمة.

نص الحوار:

بداية، كيف تقيم هذا الزخم الفكري، عربيا ومغاربيا، والداعي إلى التجديد الديني، نصا وممارسة؟

منذ القرن الأول بعد الهجرة، جميع محاولات تجديد الحقل الديني أُجهضت. نتذكر أن المعتزلة قالوا أكثر مما قاله طه حسين في القرن العشرين؛ قالوا إن الإله منزه ولا يمكن أن يدلي بحروف كحروف الإنسان، أي لا يمكن أن يتكلم بحروف الإنسان كالراء والقاف.. بل كان يتلقاها (يقصد مضمون القرآن) الرسول كمعانٍ ويصيغها بلغة قريش.

بعد ثلاثة قرون تقريبا، انتصبت حيلة ما زلنا نعيش عليها إلى اليوم، هي حيلة "الأشعري"، بأن لا نأخذ مواقف وإنما نستنجد بمؤسسة السنة.

ومشروع الأشعري أفرغ الدين الإسلامي من كل محتواه، وأوقف، طيلة 4 قرون، النقاش حول ما إذا كان القرآن مخلوقا كباقي المخلوقات، وبالتالي سيأتي يوم ويندثر.

في كتابك المترجم من اللغة الفرنسية "هل قرأنا القرآن أم على قلوب أقفالها" تدعو الناس إلى قراءة القرآن بشكل آني، هل هذا الموقف دعوة إلى إلغاء فكرة أن "القرآن صالح لكل زمان ومكان"؟

القرآن غير صالح لكل زمان ومكان، أنا أعتقد أن مآل كل نص ديني الانحسار من تقرير الحياة الدنيا إلى التلاوة الشعائرية. وهذا ما وقع مع أغلب الكتب السماوية، التي لم تعد فاعلة، في المسيحية واليهودية، إذ انحصرت بين القسيسين والرهبان، بعدما كانت تشمل البيع والشراء والزواج والعلاقة بين شخص وآخر.

حتى أنه في تونس تم التراجع عن العديد من الاجتهادات الدينية بسبب خطبة الجمعة

عندنا، ولحد الآن، ما تزال خطبة الجمعة تحدد ما سيفعله الحاكم بعد أيام.

حتى أنه في تونس تم التراجع عن العديد من الاجتهادات الدينية بسبب خطبة الجمعة.

تفصل في إحدى أفكارك بين تلاوة القرآن وبين قراءته، ما الفرق؟

هناك التلاوة والترتيل والقراءة، وكلها موجودة في القرآن. الفرق بين الكلمات لغوي. فالترتيل هو كأنك ماض في حاجة متحركة، ومن هنا جاءت كلمة "رتل" وهو القطار، أما التلاوة هي أن لا تعود لمرجع آخر غير الله.

لكي تكون القراءة مجدية، يجب أن أكون على نفس القدرة مع الجهة الباثة، وبالتالي فإذا أردت أن تقرأ فعليك أن تعتبر نفسك ند الباث، وهذا ما نسيناه أو أغفلناه.

هل هذا الاختلاف في التعامل مع النص القرآني بين القراءة والتلاوة، هو الذي أفرز فوضى الفتاوى وأنتج فكرا متشددا؟

نعم، لأن التلاوة جامدة من وقت الروايات مثل حفص وورش، وغير قابلة للتغيير، بينما لو درسنا أبحاث الكلاسيكيين حول القرآن، سنجد أنه تطور عن ما جاء به الناقل، أي النبي، إلى غاية عملية التجميع.

بعد هذه العملية (يقصد تجميع القرآن)، ستُطرح مسألة التنقيط، بين الفاء والقاف والنون والتاء، وما إلى ذلك من الحروف التي تحتاج تنقيطا.

وهناك وثائق تثبت أن التنقيط لم يكن موجودا في عهد عثمان، وبالتالي أليس من حقي أن أقرأ "نزوجهم بحور عين" بـ"نروحهم بحور عين"، خاصة وأنها منطقية أكثر لأنه في الجنة لا وجود للزواج، ونروحهم تعني أن يستمتعوا بحور العين.

هناك وثائق تثبت أن التنقيط لم يكن موجودا في عهد عثمان، وبالتالي أليس من حقي أن أقرأ "نزوجهم بحور عين" بـ"نروحهم بحور عين"

مسألة أخرى أهم، وهي التنقيط النصي الذي يجعل من الاستفهام استفهاما، ومن التعجب تعجبا وما إلى ذلك.

وهنا أعطيك مثالا بسيطا: أنا أعتقد أنه في سورة الصافات تم إلقاء اللوم على إبراهيم بأنه صدَّق الرؤيا، في آية: "يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا". لم تكن تهنئة له من الله، خاصة أننا لا نعرف هل هي جملة استفهامية أم تقريرية أم تعجبية.. لا شيء يثبت الأمر، وأصبح النص إلى الآن غير قابل للقراءة، بل فقط التلاوة والتعبد.

تعتبر أن الدعوة لعدم الخوض في الأمور الدينية وتجديدها هي دعوة سياسية بالأساس، كيف ذلك؟

من يتبناها هم الذين يعيشون ماديا من الدين، وهذا أكبر خطر على الناس وعلى المثقفين.

هؤلاء يسعون إلى عزل المفكرين أو السخرية منهم، كما وقع مع شحرور وإقبال، فضلا عن السعي لتهميش الفلاسفة، كما وقع مع بن رشد.

وبالتالي، فهؤلاء يتمعشون من الدين، وأي محاولة لتجديده هو استهداف خطير لهم.

ركزت مطولا عبر أفكارك للإصلاح الديني على القرآن، ماذا عن السنة؟

أعتقد أن السنة مسألة تاريخية يجب أن تُراجع من الصفر، فالرسول طبعا قال أشياء، لكن من يؤكد أن الرسول لم يكن يتلفظ بأقوال غيره أو حكمة غيره.

وحتى في القرآن، فكلمة السنة، بمعنى ما جاء به الرسول قولا وفعلا، لا وجود لها، بل موجودة في سياقين فقط؛ الأول متعلق بقانون كوني، أي أنك "لن تجد لسنة الله تبديلا"، أو نقد عادات الآخرين، في القول "سنة الأولين"، أي ما كان يفعله الأولون، ويود القرآن أن يعدله.

الملاحظ أن جميع دعوات التجديد أو الإصلاح الديني تصطدم بدعوات التكفير والقتل، هل هذا يعني أن مشوار الإصلاح الديني ما يزال طويلا ومحفوفا بالخطر؟

بالفعل ما يزال طويلا. أنا أفتخر، وربما أنا مخطئ، بأنني من الأوائل الذين تساءلوا عن النص القرآني كمادة، وليس كوحي، على اعتبار أن كل شيء موجود في الحياة هو وحي، وهذا مؤكد في القرآن.

أعتقد أن السنة مسألة تاريخية يجب أن تُراجع من الصفر

مثلا العسل وحي: "وأوحى ربك إلى النحل"، والزلزال كذلك وحي: "إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا".

وبالتالي، فالوحي هو شيء بسيط جدا، لذلك ما جاء للرسول هو وحي، وهذا لا نقاش فيه، لكنه مادة نصية بالأساس تحتمل ما تحتمله جميع النصوص.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG