رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

سوق 'الزماڭرة' بالجزائر.. متلاشيات تصير بضائع


سوق الزماڭرة ببلدية بوسكي

كل صيف في بلدية بوسكي الساحلية، غرب الجزائر، يظهر سوق "الزماڭرة"، كما يسمي الجزائريون مهاجريهم في الخارج.

السوق مُمتد على طول الشارع الرئيسي الذي يقسم المدينة إلى نصفين. في زاوية من هذا المكان يبسُط شاب أربعيني يدعى عفيف، بعض الملابس على الأرض وينشر أخرى فوق حبل.

عفيف أحد أبناء المنطقة. تخرج من معهد الفنون الجميلة، غير أن تضاؤل حظوظه في التوظيف دفعه إلى الهجرة نحو فرنسا قبل 10 سنوات بمساعدة أحد أفراد عائلته.

يعود عفيف، صيفا، إلى مدينته، لزيارة أهله وقضاء العطلة، وأيضا لبيع سلع يجمعها خلال إقامته في أوروبا، على غرار مهاجرين آخرين، والتي تكون جلها متلاشيات تم التخلص منها بعد استعمالها.

سوق 'فرنسي' في الجزائر

في كل صيف، يجلب عفيف معه بضاعة تتكون من الألبسة وبعض المعدات المستعملة، كان قد جمعها من سوق أسبوعي يقام بضاحية باريس يطلق عليه اسم "بروكنت".

يقول عفيف، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، إن بعض الفرنسيين دأبوا على التخلص من أغراضهم القديمة التي دار عليها الحول ببيعها في هذا السوق.

عفيف
عفيف

يتحين المغتربون من الجالية الجزائرية، وحتى جاليات مغاربية أخرى، هذه الفرصة لشراء هذه الأغراض بأثمان زهيدة، وتجميعها طيلة شهور، قبل بيعها حين عودتهم إلى بلدهم صيفا، غير أن إدخال هذه السلع للجزائر لا يكون سهلا تماما.

"لا تواجهنا أية صعوبات أثناء عملية نقل هذه البضائع، عدا الحاجز الأمني المنتصب على الحدود الفرنسية الإسبانية، وفي حال تعدى الوزن السقف القانوني تُفرض علينا غرامات"، يردف هذا الشاب الجزائري.

وبحسب شهادة عفيف، فإن جانبا آخر شاقا في هذه التجارة يتمثل في رحلة نقلها، موضحا أن المهاجريين الجزائريين في الأراضي الفرنسية يقطعون مسافة 1200 كيلومترا نحو موانئ إسبانيا، قبل التوجه إلى الجزائر عبر الباخرة، وهم محملون بثقل كبير.

حقيقة الصورة

على الرصيف المقابل من السوق الذي بات مقصد الأسر القاطنة بضواحي مدينة حجاج ببوسكي، يتخذ عيسى، الذي تخطَّى عقده السادس بعامين، مكانه المعتاد مقتعدا كرسيه البلاستيكي.

عيسى
عيسى

كان عيسى من الدفعة التي غادرت الجزائر في سنوات السبعينات، نحو فرنسا، كسائح في البداية، قبل أن يجد نفسه مستقرا فيها لمدة فاقت 34 سنة، عاملا في المصانع الخاصة بمواد التنظيف بفرنسا.

لا تتعدى قيمة ما يجلبه هذا الشيخ من أغراض عند قدومه في فصل العطلة، ألف دولار كما يؤكد ذلك، وبالتالي فهدفه ليس الربح بقدر إيجاد وسيلة لتمضية وقت الفراغ.

يقول عيسى، في حديثه مع "أصوات مغاربية"، إن أجرة التقاعد تكفيه لسد كل متطلبات عائلته المتكونة من 4 أفراد، وما يحصل عليه من عائدات هذه التجارة يخصصه للأكل فقط.

"أحيانا أكلف أحد شباب المنطقة ببيع هذه الأغراض، وأحتفظ برأس المال وأتنازل عن الأرباح، كنوع من المساعدة"، يقول عيسى.

لا ينكر هذا المهاجر الجزائري أن ظروف بعض المغتربين المادية تُحتّم عليهم نقل هذه البضائع المستعملة إلى الجزائر لبيعها، بهدف تعويض مصاريف العطلة الصيفية من مأكل ومشرب، على الأقل.

"الصورة الخاطئة التي تكونت عن "الزماڭرة" بأنهم مرتاحون ماديا، جعلت بعض السكان ينظرون إليهم بازدراء، لكن البعض ينسى فضل هذا السوق في تحقيق حركية اقتصادية في المدينة"، يستطرد عيسى.

بحث عن موارد إضافية

الغالب في سوق "الزماڭرة" أن المهاجرين هم من يبيعون معظم السلع المعروضة فيه، والتي يجلبونها معهم من أوروبا، لكن قد تصادف باعة آخرين من غير المهاجرين، على غرار محمد (46 سنة)، القادم من مدينة بوقادير، التابعة لولاية شلف، شمال الجزائر.

محمد
محمد

منذ 20 سنة تقريبا، يقضي محمد، رفقة عائلته المتكونة من 5 أفراد، عطلته الصيفية بهذه المدينة الصيفية، ويستغل فرصة الاصطياف في شراء بعض المعدات المنزلية من المهاجرين وإعادة بيعها.

يقول محمد إن هذه التجارة تذر عليه ما يقارب 20 دولارا يوميا، وهو يغطي عبر عائداتها مصاريف العطلة، وما تبقى يخصصه لشراء المستلزمات الدراسية لأبنائه.

"الطلب على سلع الزماڭرة متزايد، وأسعارها في متناول المواطن البسيط، فضلا عن نوعيتها الجيدة رغم أنها مستعملة"، يقول محمد في حديثه لـ"أصوات مغاربية".

مدينة المهاجرين

كانت مدينة حجاج، البعيدة عن ولاية مستغانم بـ40 كيلومترا، تسمى في السابق بـ"بوسكي"، نسبة للقائد العسكري الفرنسي الماريشال بوسكي. هذا ما يؤكده نور الدين بلمزوار، رئيس جمعية "تواصل" الثقافية الناشطة بالمدينة.

ويؤكد بلمزوار، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، أن عدد المهاجرين في الخارج من هذه المدينة يفوق 20 ألفا، معظمهم يقيمون في فرنسا، ويتمركزون في نواحي باريس ومدينة "تور"، وسط غرب فرنسا.

"مرت عملية هجرة أبناء المدينة عبر أربع مراحل، أولها كان بعد الحرب العالمية الثانية، حين هجَّرت فرنسا عددا معتبرا من الشباب إلى فرنسا بغية المساهمة في إعادة تشييد وترميم مخلفات الحرب"، يضيف بلمزوار.

أما مرحلة الهجرة الثانية، بحسب رئيس الجمعية، فقد كانت بعد الاستقلال، تحديدا في سنة 1963، لما فتح أرباب العمل الفرنسيون مكاتب تشغيل في الجزائر بهدف جلب اليد العاملة.

وفي منظور بلمزوار، فإن المرحلة الثالثة انطلقت سنوات التسعينات، بعد تدهور الأوضاع الأمنية بالجزائر. حينها فضل شباب المدينة الفرار نحو الخارج والبحث عن الاستقرار.

"في السنوات الأخيرة، انطلقت المرحلة الرابعة المتمثلة في الهجرة غير الشرعية للعديد من شباب المنطقة، عبر قوارب الموت، بحثا عن فرص أفضل في الضفة الأخرى"، يردف رئيس جمعية "تواصل" بمدينة حجاج.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG