رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

أوروبا.. 'الجنّة' التي يسارع إليها المغاربيون مهما كان الثمن


مهاجرون وسط قارب في عرض البحر

'أوروبا'، ما يزال لهذه الكلمة وقع السحر على كثير من الشباب في المنطقة المغاربية، الذين يرون فيها تلك 'الجنة'، التي لا يتوانون على المغامرة بحياتهم من أجل بلوغها، حتى يحققوا فيها أحلاما "أُجهضت في بلدانهم".

ورغم أن كثيرا من هؤلاء يقضون في عرض البحر قبل أن يصلوا إلى مبتغاهم، إلا أن هذا لم يحد من نزيف الهجرة السرية في المنطقة المغاربية، بشكل يثير جملة من التساؤلات حول ما يدفع هؤلاء إلى التمسك ببلوغ الضفة الأخرى ولو كان الثمن حياتهم.

هوس الشباب

"إنقاذ 19 مغربيا مرشحا للهجرة الشرعية من بينهم امرأة وطفل"، إنه الخبر الذي أثار موجة من ردود الفعل في المغرب مؤخرا، ليس لأن بين هؤلاء امرأة وطفلا، ولكن مثار الاستغراب والجدل أنهم وجدوا في سواحل مدينة الدار البيضاء، التي لم يسبق أن عرفت أو ارتبط ذكرها بالأماكن التي ينطلق منها المرشحون للهجرة السرية.

مجموعة كبيرة من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلوا مع هذه الواقعة التي يرى كثيرون أنها تستدعي دق ناقوس الخطر، والالتفات إلى الأسباب التي تدفع بهؤلاء الشباب إلى الارتماء في أحضان البحر "دون وجهة أو هدف" وفق تعبير إحدى المدونات.

من جانبه، وتعليقا على الظاهرة عموما والواقعة الأخيرة بشكل خاص، يلفت الخبير في شؤون الهجرة المغربي، محمد الخشاني، إلى أن الهجرة السرية في بعض المناطق في المغرب، تجاوزت كونها ظاهرة إلى "هوس" يستحوذ على عقول الشباب الذين يسعون إليه بكل السبل.

ويعزو المتحدث ضمن تصريحه لـ"أصوات مغاربية" تنامي الظاهرة، واستمرار مغاربة إلى اليوم، "في اعتبار أوروبا جنة يمكن أن يحققوا فيها أحلامهم، إلى عدة عوامل أبرزها تلك الصورة المغلوطة التي يروجها بعض المهاجرين كلما حلوا بالمغرب".

فعدد من هؤلاء المهاجرين رغم أنهم يعيشون "عيشة قاسية" في الخارج إلا أنهم يحرصون، وفق المتحدث، على الترويج لصورة مختلفة كليا حين يعودون، إذ "يتفانون في إبراز نجاحهم الاجتماعي بمختلف الأشكال"، الأمر الذي يعزز تلك الصورة النمطية لدى الشباب عن الخارج.

ويشدد الخشاني على دور الجهات المسؤولة في كشف "الصورة الحقيقية لما يجري هناك" إذ يؤكد أن هناك "صعوبات" بل و"مآسي أحيانا في الضفة الأخرى"، حيث صار مستقبل الهجرة "قاتما"، لافتا في السياق إلى معطى صعود "اليمين المتطرف" (المعروف بمواقفه المعادية للمهاجرين) في عدد من تلك البلدان.

"مواسم الهجرة إلى الشمال والجنوب"

رقم صادم كشفت عنه إحدى المنظمات التونسية مؤخرا، بشأن عدد ضحايا حلم "الحرقة" من التونسيين خلال السنة الجارية، إذ بلغ عدد الذين قضوا في عرض البحر إلى حدود أغسطس المنصرم، 1600 شخص.

وتعتبر إيطاليا واحدة من البلدان التي تشهد تدفقا كبيرا للمهاجرين التونسيين على نحو غير مفهوم بالنسبة لوزير الداخلية الإيطالي، ماتيو سالفيني، الذي نُسب إليه مؤخرا تصريح جاء فيه "وصل من تونس أكثر من 4 آلاف مهاجر، ليست هناك حرب أو مجاعة أو طاعون ولا أحد يفهم السبب".

في تحليله لأسباب هذا التدفق للمهاجرين غير الشرعيين، يقول الباحث في علم الاجتماع التونسي، أحمد الأبيض إن "هناك نوعا من اليأس المتنامي بشأن إمكانية تحسين الأوضاع الفردية".

​هذا "اليأس"، يعزوه الباحث التونسي إلى عدة أسباب، أبرزها أنه "بعد الثورة صار سقف المطالب مرتفعا، حيث كان الناس يتصورون أن الثورة ستجيب على هذه الانتظارات وفي آماد قريبة"، وهو الأمر الذي "ما كان ليكون ولن يكون في أي بلد، حتى وإن كان تطور ثورته طبيعيا، وهو ما خلف حالة من خيبة الأمل".

السبب الآخر، يقول الباحث في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، يتمثل في إشكالية "تدني قيمة العمل"، إذ يقول "كثيرة هي الكراسي الممدودة على أرصفة الشوارع لأرداف العجزة والبطالين، وبالتالي هؤلاء الذين تعودوا الجلوس في المقاهي والضغط على الوالدة لتعطيهم نفقتهم اليومية ليسوا مستعدين للعمل وبذل الجهد".

وهكذا فإن هؤلاء (من اليائسين)، وأولئك (غير المستعدين للعمل)، يصيرون عرضة لحالة من اثنين يتلخصان في ما يصفها المتحدث بـ"مواسم الهجرة إلى الشمال والجنوب".

ويقصد بالأول (الشمال) الهجرة نحو أوروبا التي ما يزال كثيرون ينظرون إليها "كجنة"، في حين يقصد بالثاني (الجنوب)، الالتحاق بالجماعات الإرهابية.

إلى جانب كل ما سلف، يلفت الباحث التونسي أيضا إلى دور المؤسسات التربوية التي يقول إنها "ما عادات للأسف تقوم بدور التربية واكتفت وحصرت جهدها في الجانب التعليمي"، في حين أن "الناس في حاجة أيضا إلى توضيح للقيم وإلى الاعتزاز بالوطن" على حد تعبيره.

'عائلات بأكملها.. تغامر'

في الجزائر، لا يبدو الوضع أفضل مما هو عليه في المغرب وتونس، حيث تكشف عدد من التقارير عن استمرار الهجرة السرية التي تقبل عليها الإناث كما الذكور.

بالنسبة للخبير الأمني الجزائري، أحمد ميزاب، فإن هناك عدة أسباب "تقليدية" و"غير تقليدية" تقف وراء "العودة الملفتة" لظاهرة الهجرة السرية التي ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تسليط الضوء عليها بشكل أكبر.

فـ"الأسباب التقليدية"، يقول المتحدث، "مرتبطة بالظروف الاجتماعية المتعلقة بالبطالة والبحث عن العيش الآمن"، وذلك في ظل "الفكرة النمطية المترسخة في أذهان الكثيرين وخاصة من الشباب عن أن الضفة الأخرى هي الجنة، والتوجه إليها هو توجه نحو الحياة الآمنة اجتماعيا واقتصاديا".

غير أن المثير والصادم أكثر بخصوص ظاهرة الهجرة السرية في الجزائر، أن هناك عائلات كاملة صارت تغامر بحياتها وحياة أطفالها، من أجل بلوغ "العالم الآخر".

في تفسيره لهذا الأمر، يلفت ميزاب إلى معطى مرتبط بمعدل أعمار أرباب هذه العائلات والذي لا يتجاوز، وفقه، في أغلب الأحيان ثلاثين سنة.

فالمتحدث يشير إلى أن معدل سن الزواج في المنطقة المغاربية انخفض عموما خلال الفترة الأخيرة إلى ما دون 25 سنة، "ما يعني أننا نتحدث عن شباب" في إشارة إلى أن هؤلاء بدورهم يحملون نفس تلك الأفكار الذي تطرق إليها سلفا.

ويشير المتحدث في تصريحه لـ"أصوات مغاربية"، إلى أن هناك "تضخيما" في تصوير الأزمة الاقتصادية التي تمر منها المنطقة المغاربية، "بشكل يدفع للتصور وكأنها أزمة قد ينعدم معها حتى رغيف الخبز"، وهو ما يدفع كثيرا من أرباب تلك الأسر إلى التفكير في ضرورة أن "يهاجروا قبل فوات الأوان لتأمين الملاذ الآمن اجتماعيا واقتصاديا لعائلاتهم".

المصدر: أصوات مغاربية

XS
SM
MD
LG