رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

قصة دخول التبغ إلى المغرب.. حقائق قد تفاجئك!


داخل معمل لإنتاج التبغ

كتب العالم الإنجليزي صاحب المؤلف الشهير "تشريح الكآبة"، روبرت بيرتون، (1577 - 1640) يصف نبات التبغ، قائلا إنه "إلهي المنشأ، نادر، الأفضل على الإطلاق، إنه بمثابة العصا السحرية والدواء الشافي لكل الأمراض".

كان ذلك قبل أن ينتشر إدمان التبغ عبر المجتمعات ويظهر لاحقا أن هذه النبتة تقتل شخصا واحدا على الأقل كل ست ثوان في العالم، بمعدل يزيد عن 7 ملايين قتيل في العام.

وبحسب كتاب "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى" لمؤلفه المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري (1835- 1897)، فالتبغ دوّخ بعض المغاربة ودفعهم سريعا إلى الإدمان، ما دفعه إلى إصدار حكم قاس في حق مدمني "العشبة الخبيثة".

ويقول الناصري في كتابه: "لا تجد أخبث ولا أقذر من رائحة أفواه شربة الدخان ولا أنتَن ولا أعفن من نكهات المستفّين لغبار تابغ وهذا النتَن من أقبح العيوب في نظر الشَّرْع".

دخول التبغ إلى المغرب

يقول صاحب كتاب "الاستقصا" إن التبغ دخل إلى المغرب عبر السودان خلال حكم السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (1549- 1603)، وبالضبط في سنة 1001 هجرية الموافق لـ1593 ميلادية.

ويضيف الناصري، في محاولة لاستقباح تعاطي هذه العشبة، أنها تُغيّر "عقل متعاطيها حتى أنه إذا انقطعت عنه صار كالمجنون لا يبالي بما يصدر منه"، وصيامه مشكوك فيه، فـ"بقايا ذلك الدخان أَو ذلك الغبار قد يمْكث في حلقه إِلى طلوع الفجر وما بعده، لأن جلهم إذا قرب الفجر والوا استعماله حتى يكون هو خاتمة سحورهم".

في أحد حقول التبغ بكوبا
في أحد حقول التبغ بكوبا

ويروي الناصري قصة دخول التبغ إلى مدينة مراكش ثم فاس، عاصمة المغرب آنذاك، قائلا: "سنة إحدى وألف أُتي بالفيلة من بلاد السودان إِلى المنصور، وكان يوم دخولها لمراكش يوما مشهودا برز لرؤيتها كل من بالمدينة من رجال ونساء وشيوخ وصبيان، ثم حملت إِلى فاس".

ويضيف: "كان دخول الفيل إلى فاس يوم الاثنين سادس عشر رمضان سنة سبع وألف (1007هـ)، وبعث المنصور مع الفيل إلى ولده المأمون بهدية فيها تحف وأموال عريضة وخرج أهل فاس في ذلك اليوم للقاء الفيل بنحو مائة ألف نفس".

ويسرد الناصري بقية القصة، بأسلوبه الذي يجمع بين الوصف التاريخي والوعظ الفقهي، قائلا: "ظهرت هذه العشبة الخبيثة المسماة بتابغ لأن أهل السودان الذين قدموا بالفيلة يسوسونها قدموا بها معهم يشربونها ويزعمون أن فيها منافع فشاعت منهم في بلاد درعة ومراكش وغيرهما".

وبعكس بعض الدول الأوروبية التي رفعت "التبغ" إلى رتبة "البلسم الشافي لكل الأمراض"، سارع بعض فقهاء المغرب إلى تحريم "العشبة"، فقد ذهب بعض العلماء إلى تحريمها بالمطلق وأجازها آخرون، ما جعل الكثير من متعاطيها آنذاك يتعاملون معها كمحظور اجتماعي.

أحد أشهر القضاة والفقهاء في هذه المرحلة هو محمد اليفرني المكناسي، وقد رفض إصدار فتوى تحرم أو تجيز تدخين التبغ، وقال إن "العلم فيها متوقف عند الله سبحانه".

أما الناصري، الذي نشأ صوفياً في البداية قبل أن ينقلب على المتصوفة في كتابه "تعظيم المنة بنصرة السنة"، فقد حرم التبغ تماما بدعوى أنها "من الخبائث التي حرمها الله تعالى على هذه الْأمة المطهرة".

بل وقد أجاز الناصري، مستندا إلى آراء بعض علماء أهل فاس، طلاق المرأة من الرجل إذا تعاطى التدخين، فـ"رائحة الفم الكريهة تدخل ضمن العيوب المُنّفرة التي نهى عنها النبي محمد، حتى أَنه جعل خيار الطلاق لأحد الزوجين إِذا كان صَاحبه أبخر"، يقول الناصري.

اكتشاف التبغ

وإذا كان التبغ دخل إلى المغرب عبر بلاد السودان في وقت متأخر نوعا ما، فالدول الأوروبية القريبة من المغرب تعرّفت على هذه النباتات، التي وصفها روبرت بيرتون بـ"العشبة الإلهية"، بعد اكتشاف كريستوفر كولومبوس لأميركا.

ورغم غياب معلومات دقيقة عن تعاطي الشعوب الأصلية لأميركا لهذه العشبة قبل الاكتشاف الأوروبي للعالم الجديد في 1492، إلا أن معظم المصادر تؤكد أن رسومات ونقوشات تعود إلى حضارتي المايا والإنكا تُظهر أن التبغ كان مستخدما في الطقوس الدينية والمناسبات الاجتماعية.

لاحقا، قاد إعجاب الرحالة الأوروبيين بهذه العشبة إلى زراعة بذورها في معظم البلدان الأوروبية، وقام الأطباء بالترويج لها.

ففي 1571، قام طبيب إسباني يدعى نيكولاس مونارديس بتأليف كتاب عن النباتات الطبية في أميركا، واعتبر أن التبغ يداوي 36 مشكلة صحية.

وتقول الكاتبة فيريلا رانديل، في مقالة نشرتها عام 1999 بجامعة ديتون الأميركية، إنه بحلول سنة 1600 أصبح التبغ شائعا ويستخدم كعملة للتبادل والمقايضة. وتضيف: "لقد كان التبغ مثل الذهب تماما".

وتشير مصادر تاريخية كثيرة إلى أن أصل كلمة "تبغ" ترجع إلى مدينة تاباسكو المكسيكية، في حين يقول آخرون إن أصلها يرجع إلى اسم نبتة في اللغات المحلية للشعوب الأصلية في كوبا وهايتي.

أما لفظة النيكوتين التي أضحت شائعة بعد ذلك فيتفق الجميع على أنها منسوبة إلى السفير الفرنسي في لشبونة بين 1559 و1561 جين نيكوت، الذي سمع بـ"الأسرار الطبية" لهذه العشبة فأدخلها أول مرة إلى البلاط الملكي الفرنسي قبل أن تنتشر بشدة في عموم أوروبا.

وقد شهدت فترة الحرب العالمية الثانية (1939-1945) استهلاكا غير مسبوق للتبغ الذي أخذ شكل السجائر، وأضحى التدخين وباء يهدد صحة الملايين عبر العالم.

فخلال فترة الحرب، أُدرجت السجائر مع حصص الطعام المعلّب كضرورات أساسية للجنود في جبهات القتال.

وبالموازاة مع ذلك، أرسلت شركات التبغ ملايين السجائر إلى الجنود مجانًا، وعندما عاد هؤلاء إلى أوطانهم مع نهاية الحرب، ضمنت هذه الشركات ملايين الزبائن الأوفياء، أو بالأحرى المدمنين.

وشارك آلاف الجنود المغاربة (من فرقة الكوم على الخصوص) في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء، ونقل كثير منهم إدمان السيجارة إلى المغرب.

في هذه الفترة، لم تعد فتاوى الفقهاء وتوجسهم تزعج المدمنين فتحول التدخين إلى موضة اجتماعية.

عدد الإناث المدمنات على التدخين في بلدك
عدد الإناث المدمنات على التدخين في بلدك

وفي بداية الستينات، انتهى العالم الغربي مع الاعتقاد القديم بأهمية التبغ في علاج الأمراض. وخلال الثمانينات فسحت إعلانات الترويج للتبغ المكان لإعلانات مضادة تحذر من الأضرار المدمرة للسجائر.

وعكس الأفيون والكوكايين ومخدرات أخرى كانت شائعة الاستخدام قبل أن تمنعها الحكومات، فشلت الحملات الطبية في دفع الدول لمنع التدخين كليا، كما فشلت في إقناع المدمنين بأن السجائر تلتهم أعمارهم في شكل أمراض كثيرة مثل السرطان.

التدخين يقتل آلاف المغاربة

تقول منظمة الصحة العالمية إن التبغ قتل في القرن العشرين 100 مليون شخص، وإذا لم تتحرك الحكومات والمجتمع المدني سيكون عدد ضحايا من يقتلهم التبغ 8 ملايين بحلول عام 2030.

ووفق إحصائيات للمندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة رسمية)، فقد استهلك المغاربة خلال 2017 حوالي 17 مليار سيجارة، بمعدل 671 سيجارة للفرد الواحد.

وتفيد مؤسسة الأميرة سلمى للوقاية وعلاج السرطان بأن انتشار التدخين بالمغرب يقدر بنسبة 18% لدى المغاربة البالغين 15 سنة فما فوق، و41% تقريبا لدى الساكنة التي تتعرض للتدخين السلبي.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية على أن دخان التبغ غير المباشر (السلبي) يتسبب في حدوث أكثر من 600 ألف وفاة مبكرة سنويا.

والتدخين غير المباشر أو السلبي هو "الدخان الذي يملأ المطاعم أو المكاتب أو غيرها من الأماكن المغلقة عندما يحرق المدخنون منتجات التبغ، من قبيل السجائر ومنتجات البيدي والأراجيل. ويحتوي دخان التبغ على أكثر من أربعة آلاف مادة كيميائية، منها 250 مادة على الأقل معروف عنها أنها ضارة و50 أخرى معروف عنها أنها تسبب السرطان"، تقول المنظمة الدولية.

وفقا لتقرير "توباغو أطلس"، المتخصص في تعقب ضحايا التدخين عبر العالم، فإن 274 شخصا و64 سيدة يموتون بالمغرب أسبوعيا بسبب مضاعفات التدخين.

وأظهر استطلاع مغربي حول عادات المدخنين في 2008 أن "المدخن المغربي يصرف في المتوسط 22 درهما يوميا لشراء الدخان (30% من الحد الأدنى للأجور)".

ورغم وجود قانون يناهض التدخين الأماكن العمومية والدعاية للسجائر في المغرب منذ 1996، إلا أن عدد المدمنين يزداد سنويا، حتى بين القاصرين.

المصدر: أصوات مغاربية

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG