رابط إمكانية الوصول

logo-print

يصف المؤرّخ الجزائري، محمد الأمين بلغيث، تعامل المسؤولين الفرنسيين مع الجزائر بـ"المراوغ".

وقال بلغيث، في حوار مع "أصوات مغاربية"، إن حُكّام فرنسا، من شارل العاشر إلى ماكرون، "ينظرون إلى الجزائر بتعالٍ"، واستبعد أن تفتح فرنسا ملف التاريخ مع الجزائريين لأنه "يُؤذيها حتى النخاع".

المؤرخ محمد الأمين بلغيث
المؤرخ محمد الأمين بلغيث

نص المقابلة:

هل سيفتح الرئيس الفرنسي ملف الذاكرة الاستعمارية مع المسؤولين الجزائريين؟

الرؤساء الفرنسيون كلهم مراوغون من شارل العاشر، الذي احتل الجزائر في 1830، إلى الرئيس إيمانويل ماكرون.

السياسيون الفرنسيون متكاملون في الدفاع عن بلادهم وفي التعالي على مستعمراتهم القديمة، وعليه فإن ملفّ الذاكرة لن يكون سوى كلام للمراوغة، لأنني أذكر أن ماكرون وعد الجزائريين بفتح هذا الملف، عندما زار الجزائر بصفته مرشحا للرئاسيات، ومن يومها لم يفعل شيئا.

من أمثلة التعالي عند الفرنسيين، تلك الصورة المعيبة التي نشرها رئيس الوزراء الأسبق، مانويل فالس، بعد لقائه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وكان مراده أن يشمت في الجزائريين. إنهم لا يحترموننا اليوم كما لم يحترمونا بالأمس، ولا ننتظر منهم أي سلوك إيجابي.

لماذا لا تريد فرنسا فتح ملف التاريخ رغم إلحاح الجزائر كما تقول؟

مصالح فرنسا مع الجزائر ليست في التاريخ بل في الاقتصاد أيضا، لذلك ترى فرنسا هذا الملف غير مهم وتتعمّد تهميشه لأنه يضرّها إن فُتح فعلا. ثم إن ماكرون لن يتجرّأ على هذا الملف لأنه يؤذي الفرنسي حتى النخاع، وسيُفضحون أمام العالم وسيدفعون تعويضات خيالية.

سجِل أن هناك أكثر من 5000 شركة فرنسية تعمل في الجزائر منذ سنين، وهي شركات تُثري خزينة الدولة الفرنسية بالملايير، رغم أن هذه الشركات فاشلة ومفلسة في وطنها. هذا ما يهم فرنسا وليس التاريخ.

فرنسا ترى الجزائر مجرّد بقرة حلوب تأخذ منها ما تشاء، ولديها خارطة خيرات الجزائر بالتفاصيل وتعلم أين تضع يدها.

هل تدعو إذن إلى أن يمارس الجزائريون ضغطا على فرنسا لإرغامها على الاعتراف والاعتذار كما تقول؟

ماكرون سيجد نفسه مُحرجا أمام المسؤولين الجزائريين غدا، لأنه وعد كمرشح للرئاسيات بفتح ملف الذاكرة، وسيُفضح كونه تلاعب بعواطف الجزائريين، لكن هل سيؤثّر هذا في مسار ملف الذاكرة؟.. أنا أقول لا لن يؤثّر.

للأسف، المسؤولون الجزائريون لا يمارسون الضغط اللازم في ملف الذاكرة لإرغام الفرنسيين على الاعتراف، وأذكر هنا، للأسف، أن وزير المجاهدين الجزائري زار فرنسا بداية السنة، وهي زيارة ما كان ينبغي أن تتم، لأنها الأُولى لوزير المجاهدين منذ أكثر من 50 سنة.

وزير المجاهدين، في علاقة الجزائر بفرنسا، يمثّل ملفات تاريخية ثقيلة مليئة بالدماء والآلام، وزيارته تلك لم تكن مناسبة. تمنيت لو زار فرنسا من موقع قوة يكون فيها محمّلا بملف ثقيل يدين مستعمر الأمس.

ماذا عن الأرشيف.. هناك من يرفض استرجاعه بدعوى أنه يضم معطيات تاريخية قد تضر حتى السلطة الجزائرية؟

أنا شخصيا أعارض استرجاع الأرشيف ولا يهمّني أبدا، بإمكان الجزائريين المطالبة بنسخة من هذا الأرشيف فقط وليس شرطا الحصول على الأرشيف الأصلي.

ثم هل تعتقدون أن فرنسا ستسلّم الجزائر أرشيفا من الدرجة الأولى؟!.. فرنسا ستسلمنا أرشيفا من الدرجة العاشرة.. أرشيف سكة الحديد والترامواي وما ذلك من مثل هذه الملفات الهامشية.

ما يهمّني أكثر هو ملفّان اثنان: الأول هو إدانة الفترة الاستعمارية بين 1954 و1962، لأنها فترة قريبة جدا، وهناك ملفات تدين فاعليها بشهادة أصحابها من العسكريين والسياسيين الفرنسيين، وبالإمكان تقديم ملف قوي في هذا الصدد لإدانة مستعمر الأمس.

الملف الثاني يتعلّق باسترجاع الأموال التي نهبتها فرنسا من الجزائر خلال الفترة الاستعمارية، من 1830 إلى 1962، وهي بآلاف الملايير ولا تزال فرنسا ترفض الاعتراف.

هل هناك ملفات أخرى عالقة بين البلدين غير التاريخ؟

نعم، قضية المهاجرين الجزائريين الذين يعملون ويعيشون في فرنسا، وهذا ملف ثقيل هو الآخر، إذا لا تزال فرنسا تراهم "سكان ضواحٍ وسببا في الإرهاب على أراضيها"، والمسؤولون الجزائريون مطالبون بالدفاع عن هؤلاء.

الملف الاقتصادي هو الآخر جدير بالتناول، لأن فرنسا لا تقوم باستثمارات حقيقية ثقيلة في الجزائر، مثلما تقوم به في المغرب مثلا، ففي المجمل، هي مشاريع خفيفة تكسب منها الملايير دون أن تجد أثرها على سوق العمل في الجزائر، من قبيل التوظيف أو نقل معارف تكنولوجية.

على الجزائريين أن يضغطوا في هذه الاتجاهات لكسب منافع حقيقية من فرنسا، ما دام ملفّ الذاكرة رهن الانتظار.

هل تعتقد أن التاريخ يقف في وجه تطبيع العلاقات بين الجزائر وفرنسا، ويربط ذلك بحلّ مسألة الذاكرة الاستعمارية؟

فرنسا تستعدي الجزائر بمُحيطها المغاربي والأفريقي، وتُرضيها جدا العلاقات المتوترة بين الجزائر ودول الجوار.

فرنسا تتدخل عسكريا في منطقة هي ملك لمحيط مغاربي أفريقي، وقد رأينا كيف زعزعت الاستقرار في البلدان المغاربية، خاصة تونس والجزائر، بفعل تدخّلها العسكري رفقة "الناتو" في ليبيا، وتدخلها في مالي باسم محاربة الإرهاب.

مِن وراءِ كل هذا الواقع الأسود، تريد فرنسا إضعاف الجزائر سلطة وجيشا حتى تبقى في موقف ضعف، رغم علمها أن الجزائر تقف سدا منيعا في وجه الهجرة الأفريقية غير الشرعية إلى أوروبا وتحارب الجريمة المنظمة.

على الجزائر أن تأخذ ملف العلاقات مع فرنسا من هذه الزاوية والتعامل معها وفق مبدإ المصلحة والحذر.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG