رابط إمكانية الوصول

logo-print

باحث: هذا هو المجهول في حياة يهود الجزائر!


الباحث الجزائري فوزي سعد الله

يكشف الباحث الجزائري فوزي سعدالله، في حواره مع "أصوات مغاربية"، جانبا من حياة اليهود في الجزائر، ويتحدّث عن التعايش بين اليهود والجزائريين، وإسهاماتهم في كثير من المجالات، حيث يقول "إن اليهودي في الجزائر جزائريٌ؛ مسلمُ الثقافة يهودي الديانة".

نص الحوار:

ألّفتَ كتابا حول "يهود الجزائر"، كيف جاءت فكرة تأليف هذا الكتاب؟

جاءت فكرة الكتاب استجابة لطلب حاد ساد في جزائر نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي حول موضوع اليهود في البلاد، الذي كان شبه مجهول في جميع مستويات المجتمع ويلفه الكثير من الغموض والأفكار النمطية.

لذا، قررت الإسهام في النقاش، حسب ما تيسر لي من إمكانيات بهذا الكتاب "يهود الجزائر هؤلاء المجهولون"، الذي سد الفراغ في هذا المجال ولقي ترحيبا عاما لدى القراء.

ما هي أوجه التعايش بين المسلمين واليهود التي رصدها كتابك؟

التعايش لم ينقطع أبدا رغم الأزمات والتشنجات التي كانت تطرحها الأحداث من حين لآخر، وهو أمر طبيعي يحدث حتى داخل العائلة الواحدة، لأن يهود الجزائر قبل كل شيء كانوا وما زالوا جزءا لا يتجزأ من المجتمع، وإن تضاءل عددهم كثيرا اليوم وانحسر إلى بضع مئات أو بضعة آلاف في أقصى تقدير، متأثرا بتداعيات حرب استقلال الجزائر (1954 – 1962).

اليهودي الجزائري الذي يعيش في الجزائر حياته مِن أَلِفها إلى يائِها متداخلة مع حياة المسلمين ومنسجِمة معها، حيث يُفكر جزائريًا ويفرح جزائريًا ويَحنّ ويَشتاق جزائريًا ويُعبِّر وفقَ نفس نمط تعبير كل الجزائريين وبمخيال جزائري في الموسيقى والرقص والأدب ومختلف الفنون والأشكال التعبيرية، وعاداته جزائرية، ولا يختلف عن المسلمين إلا في الشعائر الروحية. وباختصار، يمكن القول إن اليهودي في الجزائر جزائريٌ مسلمُ الثقافة ويهودي الديانة.

هل من أمثلة حول تعايش المسلمين واليهود في الجزائر؟

على سبيل المثال، من المعروف أن مجالس الغناء الجزائرية كانت تُحييها الفِرق الموسيقية اليهودية والمسلمة مثلما وُجدتْ الكثير من الفِرق المختلِطة دينيًا ودون حواجز. كان جوق الشيخ محمد بن علي سفِنْجَة في مدينة الجزائر في نهاية القرن 19م وبداية القرن 20م يضم مسلمين ويهودا، من بينهم المْعلَّم اليهودي إدمون يافيل ناثان.

وكان اليهودي مُوزِينُو يُغني ويعزف إلى جانب محترِفي الغناء والطرب المسلمين، الذين كانوا أصدقاءه قبل كل شيء.

وكان جوق محطة الإذاعة في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن 20م يضم، إلى جانب المسلمِين: محمد الفخارجي وشقيقه عبد الرزاق الفخارجي، وعازف القانون بوجمعة فَرْقان وغيرهم، اليهود: شارْل صُونيِغُو وسلطانة داوود المعروفة فنيًا بـ"رينات الوهرنية" والمْعلَّم زُوزُو وألِيسْ الفِتُوسِي وغيرهم.

وفي الحياة اليومية، كان اليهود يعيشون مع المسلمين مختلطين ومُشترِكين في السكن وفي الأعمال التجارية والحِرفية خلال العهد العثماني وقبله في مختلف المدن والبلدات، واستمر هذا الاختلاط حتى بعد احتلال البلاد عام 1830م.

الجزائر لم تعرف "الغيتوهات"، أما مَا كان يُعرَف بـ: "حارة اليهود" أو "حومة اليهود" في مدينة الجزائر أو "شارع اليهود" في قسنطينة و"درب اليهود" في تلمسان، فلم تكن سوى أحياء عالية الكثافة السكانية اليهودية كان اليهود يفضلونها أكثر من غيرها لدواعٍ اجتماعية واقتصادية وسَكَنَ معهم فيها مسلمون، مثلما سَكَنَ يهودٌ آخرون في حومات أخرى غالبيتُها من المسلمين داخل المدن وفي ضواحيها.

كان لكل شخص الحرية في العيش حيثما شاء، حسب هواه وإمكانياته المادية ومصالحه.

وهذا ما تشهد عليه وتؤكده، دون أدنى التباس أو غموض، وثائق الأرشيف المحفوظ في الجزائر وفي فرنسا وتركيا عن الفترة العثمانية من تاريخ البلاد.

ما هي أبرز إسهامات اليهود عندما كانوا في الجزائر؟

لقد شاركوا في الحياة العامة بمختلف أوجهها، بما في ذلك في الدوائر السياسية الحاكِمة. فمثلما كان يهوذا بن قريش التاهرتي أحد أبرز علماء النحو المقارن في عهده خلال الحقبة الرستمية من تاريخ البلاد، اشتهرتْ في الطب عائلة الأشقر في بدايات العهد العثماني وقبلها الرّبِّي إفرايْم أنْكَاوَه في تلمسان بني زيان في القرن 14م، وعُرِف في حِرفة الصياغة في مدينة الجزائر في بداية القرن 19م صائغ الداي حسين الشهير آبراهام سانغينيتِّي والإخوة ناربوني في المجال ذاته.

واشتهر في التجارة الكبيرة كل من: البكري وشريكه نفطالي بوشناق، الذي تشكَّل لديه نفوذ حتى في المجال السياسي والدبلوماسي في عهد كلٍّ من الداي حسن باشا (1792م – 1798م) وخليفته الداي مصطفى باشا (1798م – 1805م).

أما الجزائر المعاصِرة فقد اشتهر فيها الثري والسياسي مارْسِيلْ بَلْعِيشْ، الذي توفي عام 1993م بالعاصمة الجزائرية في سن متقدمة وكان من أصدقاء الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، وتوفي موريس لَبَانْ ويهودي آخر يُدعى "الحَاج" حامليْن السلاح مع مجموعة من المقاتِلين المسلمين في اشتباك مع القوات الاستعمارية خلال حرب التحرير، وسُجِن دانْيَال تِيمْسِيتْ بسبب انخراطه في صفوف الثوار في قصبة الجزائر.

تبِع هذا الكتاب كتاب "يهود الجزائر: مجالس الغناء والطرب"، هل كان نجاح الكتاب الأول وراء إصدار الأخير؟

لا علاقة لهذا بذاك، بل جاء هذا الكتاب استجابةً أيضا لِطلب كبير في الجزائر على هذا الموضوع، حيث كثر الجدل حول دور اليهود في الموسيقى والغناء في البلاد وانخرط رئيس الجمهورية ذاته في هذا النقاش خلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 1999م بتصريحات وافقها البعض وخالفها البعض الآخر.

تساءلتُ أمام المزايدات والاستعمالات السياسية للموضوع: كيف السبيل إلى تحديد دور اليهود في موسيقانا بعيدا عن ضغوط السياسة والإيديولوجيات والمصالح؟ فقررتُ البحث في الموضوع، وطال البحث لنحو 10 سنوات وأثْمر بكتاب "يهود الجزائر مجالس الغناء والطرب" الوحيد في مجاله في الجزائر وفي غير الجزائر عند صدوره، والذي تحوَّل إلى مرجع لا بد منه لكل الباحثين في هذا الموضوع عالميًا، بما في ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية. وما عليك إلا بالرجوع، على سبيل المثال لا الحصر، إلى كِتاب الباحث الأنثروبولوجي الأمريكي جوناثان غْلاَصِيرْ الذي يحمل عنوان The lost paradise (الجنة المفقودة أو الفردوس المفقود) الصادر عام 2016م للتأكد من أقوالي.

ما هي أبرز إسهامات اليهود في مجال الغناء في الجزائر، ومَن أشهرهم؟

في مجال الموسيقى والغناء، مارس يهود الجزائر بشكل عام الغناء الحضري، الذي هو في مُجمله الغناء العربي الأندلسي المعروف في قسنطينة وعنابة باسم "المالوف" وبـ"الغرناطي" في تلمسان وبـ"الصنعة" في مدينة الجزائر والبليدة وشرشال والقليعة. ونبغ في الغناء العديد منهم وتحوَّلوا إلى نجوم في مجالهم.

لكن الغناء العربي الأندلسي بقي منتوجًا حضاريا إسلاميا وعربي اللسان قبل كل شيء. اليهود مارسوه بشغف كبير، لكنهم لم يتركوا فيه لمسة خاصة بهم باستثناء بعضهم في أسلوب الأداء الحزين الجميل. لكن ما يتردد إعلاميا أحيانا بأنهم هُم مَن أبدعوا "المالوف" أو أنهم هم مَن طَوَّر هذا الغناء فهذا غير دقيق ولا ينسجم مع الوقائع التاريخية الموسيقية في الأندلس والمغرب الإسلامي في الماضي ولا حتى في الحاضر.

هل عاد بعض هؤلاء اليهود إلى الجزائر؟ وهل غنّوا فيها؟

نعم. لكن هذا لا يعني أنهم جميعا تركوا الجزائر، لأن العديد منهم اختاروا البقاء في بلادهم على غرار أليس الفتوسي، التي عاشت في الجزائر حتى وفاتها نهاية السبعينيات أو بداية الثمانينيات وبُونْوَا لاَ فْلُورْ (Benoît Lafleur) عازف القانون الماهر في جوق الحاج مْحمَّد العنقاء.

أما الذين عادوا وغنوا مع أحبابهم المسلمين في الجزائر وفي فرنسا فأذكُر على سبيل المثال: القسنطينية سيمون الطَّمَّار (Simone Temmar) وبْلُونْ بْلُونْ (Blond ،Blond) الذي غنى حتى لاستقلال الجزائر وكان يأتي حتى في عهد الرئيس هواري بومدين للغناء في بعض النوادي في العاصمة الجزائرية.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG