رابط إمكانية الوصول

logo-print

ليلة القبض على صيفاقس.. حكاية حلم 'تامزغا' المغدور


حارب الجيش الروماني صيفاقس وتمكن من أسره وقتله

ظهر الملك النوميدي الأمازيغي صيفاقس في زحمة الاقتتال بين قرطاجة (تونس قديما) وروما الاستعمارية، وكان يومها زعيما لقبيلة المازيسيل.

حينها، ما كان أحدٌ من الفئتين المتقاتلتيْن، قرطاجة وروما، يظن أن تاريخا كبيرا سيخطه هذا الرجل بعقله وحنكته.

بناء القوة

عاش الملك صيفاقس في القرن الثالث قبل الميلاد، وكانت حدود قبيلته عند "نهر الشلف" (غرب الجزائر)، بينما كان شرق الجزائر تحت سلطة ماسينيسا بعاصمتها سيرتا (قسنطينة حاليا).

سعى كل من القرطاجيين، بقيادة حنبعل، والرومان إلى التحالف مع زعيم قبائل المازيسيل صيفاقس، حتى يساعد إحداهما في حربها ضد الأخرى.

لكن الزعيم القبلي اختار طريقا آخر تمثل في محاولة الصلح بينهما، وهذا لتجنيب نوميديا الحرب، إذ كان يعمل على بناء جيوشه استعدادا لأيام عصيبة ضد روما.

رفضت روما كل مساعي صيفاقس للصلح مع عدوّتها قرطاجة، ولما أدرك أن روما تتعنّت لأسباب استعمارية، أعلن التحالف مع قرطاجة.

وفي هذا الصدد، يقول الكاتب الفلسطيني، كفاح جرار، صاحب رواية "الملك صيفاقس": "قناعتي عن صيفاقس رسمتُها من خلال لوحة سيميائية عن حياته وتحالفاته ومواقفه ورؤاه، فلقد سعى جاهدا لتجنيب نوميديا برمتها ويلات حرب العداوة التي خاضها حنبعل ضد روما".

ويضيف جرار متحدّثا لـ"أصوات مغاربية" أن الملك صيفاقس "يمثل القائد النوميدي المسؤول بشكل كبير وملفت، الذي يعي أهمية المسؤولية ويخشى المساءلة".

"لم يكن صيفاقس ذلك المسؤول الأرعن الذي يعتقد أن منصبه يعطيه الحق في فعل أي شيء وكل شيء دونما حرج وخشية، ومن هؤلاء الحليف الروماني يوبا الثاني، الذي كان على استعداد لمنح الرومان أي شيء مقابل كرسيه"، يردف جرار.

زواج سياسي

امتنانا من قرطاجة لصنيع صيفاقس، جرى تزويجه من إحدى أجمل حسناوات قرطاجة، وهي صوفونيسبا، التي لم تكن سوى خطيبة الملك ماسينيسا، المتحالف مع روما حينها، وهنا ثارت ثائرة ماسينيسا، وكان لهذا الزواج السياسي ما بعده.

وفي هذا التفصيل، يقول الكاتب كفاح جرار: "سعى صيفاقس إلى تجنيب نوميديا الحرب، ولما عجز حاول أن يصلح بين المتخاصمين، ولما فشل تحالف مع الطرف القريب الذي لا يراه مستعمَرا، أي قرطاجة، مع أن والده كان حليفا للرومان".

بيد أن جرار يستطرد قائلا إن صيفاقس ألغى ذلك التحالف و"أعلن الحرب على روما ثم تزوج من صفونيسبا، خطيبة ماسينيسا، الذي جن جنونه، فتحالف مع روما انتقاما لقلبه المغدور"، على حد قوله.

من جهته، يقول جمال مسرحي، صاحب كتاب "المقاومة النوميدية للاحتلال الروماني من صيفاقس إلى تاكفاريناس"، بأن صيفاقس "أدرك خطر الرومان على المنطقة فحسّن علاقاته مع القرطاجيين، فتحالف معهم، خاصة بعد زواجه من الأميرة سوفونيسبا".

"ونذكّر هنا أن صيفاقس حاول بشتى الطرق تفادي المواجهة المسلحة وإبعاد الحرب عن شمال أفريقيا"، يقول مسرحي مضيفا: "ولما تأكّد أن الرومان سينقلون الحرب إلى شمال أفريقيا لا محالة، فضّل أن يقف إلى جانب القرطاجيين لإدراكه بأن مملكته ستكون الضحية إن سقطت قرطاجة".

أدركت روما حجم العداء الآن بين صيفاقس وماسينيسا، واستغلته لصالحها بشتى الوسائل، فوعدته بأراض في قرطاجة وامتيازات مالية، وهو ما شجعه على خوض حرب إلى جانبها ضد صيفاقس من أجل القضاء عليه حتى يبقى حنبعل ملك قرطاجة وحيدا.

توحيد نوميديا

خلال مسيرته لتوحيد نوميديا، استطاع صيفاقس أن يزحف شرقا بجيوشه المدرّبة والتي اقتبست خبرات الجيشين القرطاجي والروماني، إذ استلهم من الجيشين أساليب القتال، وجعل من جيش قبلي جيشا نظاميا.

سار صيفاقس من غرب الجزائر إلى سيكا في تونس شرقا، وهي مدينة الكاف حاليا، وفي هذه الفترة صار لمملكته عملتها الخاصة وسيادتها رغم اعتراض روما.

لم يكن الجيش وحده سبيل صيفاقس لبسط نفوذه شرقا، فلقد كان ملكا يستخدم حنكته وذكاءه، إذ أقنع كثيرا من زعماء القبائل بالتحالف معه ضد ماسينيسا وروما، كما كان يترك لهم حرية التصرف والسلطة داخل قبائلهم، وهو ما جعله يدخل مناطق دون الحاجة لاستخدام السيف.

وهنا يقول الكاتب جمال مسرحي: "لقد عرف صيفاقس كيف يتعامل مع السكان النوميديين بانتهاجه نظام اللامركزية في تسيير الحكم وفي تنظيم إدارة مملكته الموحدة، فكانت له عاصمتان: سيكا على نهر التافنة وسيرتا في شرق المملكة، حيث كان لهما مسيّرون محلّيّون يستندون في حكمهم إلى مجالس شبه قبلية ورجال الدين، زيادة على جباة الضرائب وضباط الجيش".

ويضيف مسرحي: "رغم قصر المدة الزمنية التي تولى فيها صيفاقس الزعامة على نوميديا بشطريها الشرقي والغربي، إذ لم تتعدّ الثلاث سنوات، أي من 205 إلى 203 قبل الميلاد، إلا أنه استطاع أن يضع اللبنة الأولى لقيام الدولة النوميدية الموحدة".

الهزيمة والأسر

كان التحالف القائم بين ماسينيسا وروما المِعوَل الذي تهدمت تحت ضرباته جيوش صيفاقس، إذ تعرض لحروب استنزاف من جيش ماسينيسا.

زحف قائد الجيش الروماني المشهور، كايوس لاليوس، بحرا من شبه الجزيرة الإيبيرية في أوروبا، ودخل الأراضي النوميدية، وانقض على مملكة صيفاقس من الجهة الغربية، فيما تولى ماسينيسا المهمة نفسها شرقا، وهكذا وجد صيفاقس نفسه بين فكّي كمّاشة.

وعن هزيمة صيفاقس، كتب جمال مسرحي: "استعد صيفاقس لمعركة السهول الكبرى الحاسمة، إلى جانب حلفائه القرطاجيين ضد روما في ربيع 203 قبل الميلاد، لكن النصر كان لروما وحليفها ماسينيسا".

ويضيف مسرحي: "بعد الهزيمة، رجع صيفاقس إلى العاصمة سيرتا، فلحقه ماسينيسا مرغما إياه على الدخول في معركة سيرتا يوم 23 يونيو 203 قبل الميلاد، والتي وقع فيها أسيرا في يد ماسينيسا ونقل إلى روما، وهناك تم القضاء عليه".

اقتيد الملك صيفاقس أسيرا إلى روما حيثُ قُتل، وهو تقليد روماني يتعمّد إذلال قادة الأمازيغ بجلبهم إلى روما حتى يكونوا عبرة لغيرهم ممن يتمرّد على سلطتها.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG