رابط إمكانية الوصول

logo-print

منذ أحداث "الربيع الأمازيغي" إلى "الربيع الأسود"، اللذين كانا أبرز محطتين في مسيرة الأمازيغ من أجل الاعتراف بهوية الجزائر الأمازيغية إلى جانب الهوية العربية، لا تزال منطقة القبائل تشكّل "رأس الحربة" في معارضة السلطة.

واستطاعت المنطقة، بعد نضالات وتضحيات طويلة وكبيرة، أن تحقق أهم مطالبها المتمثلة في الاعتراف بالهوية الأمازيغية، وترسيم اللغة الأمازيغية في الدستور الجزائري.

الربيعان.. وإضراب المحفظة

شهدت المنطقة أحداثا كثيرة جعلتها تتميّز بصفة "المعارض الأبرز" للسلطة، كانت بدايتها أحداث الربيع الأمازيغي في الـ20 أبريل 1980، وهي الشرارة الأولى في مسيرة الاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية للأمازيغ، وكسرت حاجز الخوف من السلطة.

بدأت الأحداث في 18 أبريل عندما منعت السلطات المفكر الأمازيغي مولود معمري من إلقاء محاضرة حول الشعر الأمازيغي في جامعة تيزي وزو (شرق)، وأثار المنع استياء سكان المدينة، فخرج الطلبة الجامعيون يحملون مطالب الاعتراف بالهوية الأمازيغية.

وانتقل الغضب إلى المواطنين فخرجوا أيضا، ووقعت مواجهات مع قوات الأمن أسفرت عن ضحايا، واعتقل كثيرون دون أن يتحقّق المطلب.

عاود الأمازيغ غضبتهم سنة 1990، فيما عُرف بـ"إضراب المحفظة"، حين امتنع "القبائل" عن إرسال أطفالهم إلى المدارس، كما لم يلتحق طلبة الثانويات بالدراسة، وكان هذا شكلا جديدا من أشكال الاحتجاج للمطالبة بالاعتراف بالهوية.

كان "إضراب المحفظة" بداية نجاح الحركة المطلبية الأمازيغية، فبعد أن انقضت السنة الدراسية دون دراسة، خضعت السلطة في العام الموالي وقبلت بتدريس اللغة الأمازيغية في الولايات ذات الغالبية الأمازيغية، خصوصا في بجاية وتيزي وزو.

لم تتوقف منطقة القبائل عند قبول السلطات بتدريس الأمازيغية في المناطق الأمازيغية، حيث انطلق حراك قوي سنة 2001، عُرف بـ"الربيع الأسود"، أعقب مقتل الشاب ماسينيسا قرماح على يد رجل من قوات الدرك الوطني، واشتعلت المنطقة بمواجهات خلفت 150 قتيلا وعشرات الجرحى.

وفي 14 يونيو 2001، نظم القبائل مسيرة كبرى إلى العاصمة مشيا على الأقدام، طالبوا فيها بالاعتراف الصريح باللغة الأمازيغية كلغة وطنية في الدستور، وكان لهم ذلك في التعديل الدستوري لسنة 2003.

وعي تاريخي.. ومعارضة دائمة

وفي هذا الصدد، قال الناشط السياسي والمؤرّخ، الدكتور محمد أرزقي فراد، إن جذور معارضة منطقة القبائل للسلطة، تعود إلى "الوعي الكبير في المنطقة منذ ما قبل الاستعمار".

وأوضح فراد، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، بأن مدينة بجاية كانت عاصمة المغرب الأوسط، وكانت أوروبا ترسل أبناءها ليتعلموا فيها، "ما يعني أن المستوى العلمي كان عاليا".

كما تميزت المنطقة، حسب المؤرخ، بنظام تاجماعت، وهو نظام يعتمد على انتخاب مجلس يحكم كل قبيلة وتُعاد الانتخابات سنويا، وهذا شبيه بالجمهوريات اليونانية قديما، وعليه فإن "الفكرة الجنينية للديمقراطية قديمة في العرف القبائلي".

وأضاف فراد أن الاستعمار بنى مدارس في القبائل أكثر من أي منطقة في الجزائر، ما زاد وعي شبابها، الذين هاجروا إلى فرنسا وتعلموا أكثر، "كما أن أغلب أعضاء الحركة الوطنية كانوا قبائل، ومن الـ5 المؤسسين لأول حزب جزائري قبل الاستقلال، وهو نجم شمال أفريقيا، ثلاثة من منطقة القبائل".

وختم محمد أرزقي فراد بالإشارة إلى أن المنطقة "ضحت بكثيرين من أجل الاستقلال"، ورفضت سيطرت الجيش على السلطة بعد الاستقلال، وفي 1963 تأسس أول حزب معارض بقيادة آيت أحمد في القبائل، "كما قدمت تضحيات في أحداث الربيع الأمازيغي والربيع الأسود من أجل الاعتراف بالهوية الأمازيغية، كل هذه النتائج والأحداث هي محصّلة تراكم تاريخي".

مطالب مستمرة.. وخصوصية ثقافية

من جهته، قال المختص في علم الاجتماعي السياسي، الدكتور ناصر جابي إن للمنطقة خصوصيتها الثقافية والاجتماعية، التي بوّأتها مرتبة الصدارة بين معارضي السلطة.

وقال جابي، في حديث مع "أصوات مغاربية"، إن منطقة القبائل "شاركت في الحركة الوطنية قبل الاستقلال، والوعي السياسي الذي تميّز به أبناء القبائل جعلهم في مقدمة قادة ثورة التحرير، فمجموعة الـ22 التي مهّدت لتفجير الثورة كان أغلبهم من المنطقة".

وأضاف جابي أنه وأثناء فترة الاستعمار هاجر كثير من أبناء المنطقة إلى فرنسا، فتعلموا السياسة والعلوم وتكونت بينهم نخبة، سرعان ما عات إلى البلاد وساهمت في تحريرها، وبعد الاستقلال واصلت مسيرتها المطلبية في الدفاع عن خصوصية المنطقة الأمازيغية وهويتها، فضلا عن دفاعها عن الحريات والممارسة النقابية.

وختم الدكتور جابي "نلاحظ بأن المنطقة كثيرة التموّج شعبيا، وهذا يرجع إلى رغبتها في كسب معركة الهوية في كل مرة تواجه فيها السلطة، أقصد بعد الاستقلال، لذلك لم تهدأ حتى تحصّلت على مطالبها".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG