رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

'الزّمالة'.. هل سمعت عن عاصمة الأمير المتنقّلة؟


الأمير عبد القادر الجزائري (1808-1883)

صمد الأمير عبد القادر بن محيي الدين 17 سنة في وجه فرنسا، خاض خلالها معاركه انتصر في بعضها وانهزم في البعض الآخر.

وقد ساهمت أسباب عديدة في صمود الأمير كل هذه المدة في وجه الجيوش الفرنسية الحديثة، وكان أحد أسباب ذلك الصمود "الزمالة"، فما قصتها؟

رمز الدولة

"الزمالة" هو اسم عاصمة الأمير عبد القادر، لكنها لم تكن عاصمة مثلما هو متعارف عليه فيها بنايات وشوارع ومعالم حضرية وحضارية، لقد كانت "الزمالة" مجموعة من الخيام الكثيرة جدّا المتوزّعة على شكل دوائر، وفي كل دائرة قبيلة.

أهم ما يمّيز هذه العاصمة أنها ليست ثابتة في موقع جغرافي محدّد بل هي متنقّلة، أما السبب الذي دفع الأمير إلى ابتكار هذا التنظيم فهو حرمان فرنسا من إسقاطها، باعتبار العاصمة رمزا لأية دولة، وكان الأمير يحسب لهذh الأمر حسابه في دولته المترامية من غرب الجزائر إلى وسطها.

تحدّث الباحث في التاريخ الدكتور ناصر الدين سعيدوني في كتابه "عصر الأمير عبد القادر" عن "الزمالة"، فقال "كانت مدينة معسكر مركز التنظيم العسكري والإداري في دولة الأمير عبد القادر، واتخذ الأمير من هذه المدينة عاصمة له سنة 1832، وعندما تعرضت للتدمير من طرف الجيش الفرنسي في 9 ديسمبر 1835، تحول إلى القاعدة التي أنشأها حديثا بنواحي تيهرت القديمة وهي تاقدامت، ليتخذها مقرا له (1836-1841)".

ويضيف "وعندما استولى الفرنسيون على هذه القاعدة تحوّل إلى حرب العصابات وجعل عاصمته مجموعة من الدواوير الموزّعة على الخيام عرفت بالزمالة.. فتحوّلت عاصمة الأمير إلى دائرة متنقلة من الخيام، انتهى بها المطاف إلى شرق المغرب، قبل توقّف الأمير عن الجهاد لظروف قاهرة".

ويشير كتاب "الأمير عبد القادر الجزائري العالم المجاهد"، إلى أنّ الأمير "شكّل دولة حقيقية بعاصمة متنقّلة أطلق عليها اسم الزمالة، فعيّن وزيرا هو محمد العريني.. ورتّب مجلسا للشورى من أحد عشر عضوا، ورئيسهم قاضي القضاة أحمد بن الهاشمي".

التنظيم والسقوط

يذكر الباحث الفرنسي في التاريخ برونو إيتيان في كتابه "عبد القادر الجزائري"، تفاصيل بخصوص تنظيم عاصمة الأمير، فيقول "دفع سقوط تاقدمت وتدميرَها عبد القادر إلى التفكير طويلا في عدم ثبات الدولة.. تصور عندئذ عاصمة جديدة متنقلة، تتمثل في مجموعة دوائر مندمجة، وحركية هذه المدينة تتيح لها متابعة أماكن الرعي أو التراجع نحو الصحراء، وفق تحركات القوات الفرنسية، وتقوم وحدة من القوات النظامية بالحراسة، وتتناوب أربع قبائل على التنقلات الواسعة للزمالة".

وتشمل الزمالة، يضيف المصدر "مدينتين وصانعي أسلحة وسرّاجين وخيّاطين، وجميع المهن لمجتمع منظم، ويقوم فيها سوق واسع يؤُمّه عرب التلّ، أما الحبوب فتأتي بالمتاجرة وما يأتي من قبائل الشمال، وكانت الخيام في الزمالة تنصب على شكل دوائر، فمثلا شملت الدائرة الثالثة أربعة عشر دوّارا (متكونة من ثمان إلى ثلاثين خيمة وملحقاتها) لمختلف القبائل.."

سقطت عاصمة الأمير عبد القادر في ماي 1843، وعن تأثير سقوط "الزمالة" على دولة الأمير ومقاومته يقول الباحث ناصر الدين سعيدوني "كان الاستيلاء على زمالة الأمير عبد القادر، وهي عاصمته المتنقلة، بموقع عين طاقين (16 من ماي 1843) بدءا للعد التنازلي، إذ حُرم الأمير من نقطة ارتكاز وتم الاستيلاء على ثروات خزينته، التي وصفها الباحث أحمد الشقراني بأنها تحتوي من الذهب والفضة ما لا يحصى".

وورد في كتاب "الأمير عبد القادر رائد الكفاح الجزائري" للباحث يحي بوعزيز، أن الفرنسيين ركّزوا كل قواتهم وجنودهم ضد الأمير بعد نقض معاهدة تافنة أواخر عام 1839 "فانتزعوا منه عاصمته معسكر ومعظم مدن الناحية الغربية، مثل تلمسان وسعيدة وتاقدمت".

اضطر الأمير إلى أن ينسحب جنوبا بعاصمته المتنقلة التي تدعى "الزمالة"- يضيف يحي بوعزيز- وفي يوم 16 ماي 1843 ضاعت زمالته هذه في معركة عين طاقين بجبال عمور في غيابه هو، وكان ذلك ضربة قاضية له ولقواته وأنصاره، وهو ما يذكره أيضا العقيد الفرنسي بول كازان في كتابه L'Émir Abd el Kader 1808-1883 Du fanatisme musulman au patriotisme français.


المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG