رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

بومدين: التشدد ظاهرة موجودة في المجتمع الجزائري


قيادي يخطب في أنصاره تيار إسلامي بالجزائر

شهدت الجزائر، خلال الأيام الماضية، احتجاجات على إقامة مهرجانات موسيقية في الصيف، بيد أن عددا منها أخذ طابعا دينيا، عبر ربط الدعوة إلى وقف المهرجانات بوجهة نظر دينية، وبلغ الأمر حد التعبير عن الاحتجاج بإقامة الصلاة جماعة في مكان تنظيم هذه المهرجانات.

في هذا السياق، يستعرض الأمين العام للمجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر، والباحث في الإسلاميات، بوزيد بومدين، خلفيات هذه الاحتجاجات التي صارت تحمل بعدا دينيا، محذرا من إمكانية استغلالها من طرف متشددين.

الباحث في الإسلاميات، الدكتور بوزيد بومدين
الباحث في الإسلاميات، الدكتور بوزيد بومدين

​نص الحوار:

شهدت الجزائر، في المدة الأخيرة، احتجاجات عدة أخذت طابعا دينيا، قام خلالها المحتجون بإقامة الصلاة جماعة لمنع أنشطة فنية، بماذا تفسر هذه الظاهرة الجديدة؟ وهل تعبر عن انتشار الفكر المتشدد في الجزائر، كما يقول البعض؟

لا أوافقك الرأي عندما تصف هذا النوع من الاحتجاجات بأنه ظاهرة جديدة في الجزائر، فقد عاشت ولايات أخرى في الجنوب الجزائري، منذ سنتين، المشاهد نفسها عبر الاحتجاجات التي أقيمت بهدف مواجهة مشروع الغاز الصخري بقراءة "اللطيف" وبعض الأوراد.

مؤخرا أيضا، طغت نفس المشاهد على الاحتجاج الذي قامت به نقابة الأئمة الذين فضلوا قراءة آيات قرآنية وترديد بعض الأذكار وهم يحاولون لفت نظر السلطات إلى مطالبهم.

أكثر من ذلك، يمكن القول أيضا إن هذه الظاهرة لا تقتصر على الجزائر، فقد عاشها المغرب مع فقهاء فاس، وحتى الأزهرييون اهتدوا إلى نفس السبيل.

من موقعي كباحث في الإسلاميات، وكمتابع للشأن الديني في الجزائر، يمكنني أن أقول إن الظاهرة تبدو طبيعية إلى حد ما، لكن ما نخشاه هو أن تُستغل من قبل بعض المتشددين أو الذين لهم برنامج سياسي-ديني، والذين قد يستعملونها في الترويج لفكر معين، وهنا تكمن الخطورة، وتُطرح العديد من الأسئلة.

هل يمكن القول إن الجزائر هي أمام جيل جديد من الجماعات المتشددة التي غيرت خططها من أجل التأثير على المجتمع وشرائحه؟

لا يمكن الحديث عن الجماعات المتشددة وخلاياها النائمة أو أنشطتها بشكل جزافي، ودون الحصول على معلومات دقيقة وذات مصداقية.

إنني مقتنع بأن التشدد، كثقافة وقناعات، هو ظاهرة موجودة في المجتمع الجزائري

​في الجزائر، هناك مصالح مختصة مهتمة بهذا الملف تتمثل في المصالح الأمنية، وأيضا بعض المؤسسات الرسمية الأخرى التابعة لعدة قطاعات.

وكما يعلم الجميع، فإن التجربة التي عرفتها البلاد في السنوات الأخيرة فرضت عليها إثراء منظومتها التشريعية بما يستجيب لمواجهة مثل هذه الجماعات المتطرفة، بحسب حاجات ومتطلبات كل مرحلة.

فالدستور الجزائري مثلا تضمَّن مجموعة من النصوص التي تمنع استعمال الدين لأغراض سياسية أو ثقافية أو طائفية، وهو ما يُضيِّق على أصحاب هذا الفكر هوامش الحركة والمناورة، لكن لا أحد يعرف إن كانوا يحاولون العودة إلى الساحة وفق عناوين وتحركات أخرى.

وإذ أقول هذا، فلأنني مقتنع بأن التشدد، كثقافة وقناعات، هو ظاهرة موجودة في المجتمع الجزائري، تتجسد من خلال انتشار قناعات معينة، أو ظهور مؤشرات أخرى ترسم تدينا مغشوشا في سلوكات البعض.

الظاهرة تفرض مراجعة العديد من البرامج الدينية والتكوينية التي يتم العمل بها الآن، مع الاعتماد على الحوار كوسيلة جوهرية لمواجهة أصحاب هذا الفكر.

تتحدث عن مراجعة بعض القوانين والنصوص وجهات في الجزائر تدعو إلى إحداث تغيير جذري يشبه ما وقع تونس بخصوص المساواة بين الرجل والمرأة. إلى أي مدى تبدو الجزائر مستعدة لاتخاذ نفس الإجراءات؟

لكل بلد خصائصه واجتهاداته، وعندما أتحدث عن بعض المراجعات، فأنا أعني تلك النصوص التي تشجع على انتشار الفكر المتطرف وتساعد أصحابه على الاستمرار في البقاء والنشاط.

أما بخصوص قانون الأحوال الشخصية والأسرة، فأستطيع القول إن حالة من الإجماع تسيطر على الموقف الرسمي والشعبي حيال القضية المذكورة.

أدعو إلى نسخة ثانية من مشروع المصالحة الوطنية التي ستُمكن جميع الجزائريين من التعايش

​علاقة الجزائريين بقوانين الأحوال الشخصية هي علاقة وطنية وتاريخية، فقد ظلوا محافظين عليها منذ عهد الاستعمار، الذي لم يتمكن من النيل منها، فهي تعبر عن هوية الشعب الجزائري وشخصيته، لذا أعتقد أن إثارتها في الجزائر هو عبارة عن معركة وهمية لا أكثر ولا أقل.

أثرت مسألة الحوار مع المتشددين، هل تعتقد أنه الوسيلة المثلى لمحاربة هذه الظاهرة في الجزائر؟

نعم، أنا من أنصار هذا الرأي، بل أدعو إلى نسخة ثانية من مشروع المصالحة الوطنية التي ستُمكن جميع الجزائريين من التعايش وفق مبدأ احترام الاختلاف والحريات، وهذا هو الضامن الأساسي لأي استقرار سياسي أو اجتماعي نبحث عنه.

بالإضافة إلى هذا العامل، ما نحتاجه في الجزائر أيضا هو تفعيل العديد من النصوص القانونية، وإلزام الجميع باحترامها، ففي حالة ما سمي بـ"الاحتجاجات الدينية"، كان على أصحاب هذه المبادرة أن يدركوا مثلا أن القانون يمنع إقامة الصلوات الجماعية خارج الإطار الرسمي، وخارج المؤسسة المسموح بها قانونا.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG