رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

 غلام الله: فطنة العلماء.. السبيل لمحاربة التطرف


بو عبد الله غلام الله، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر

ينفي الدكتور بو عبد الله غلام الله، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر، وجود أي تضييق على الأقليات الدينية في بلده. ويكشف في هذا الحوار مع "أصوات مغاربية" عن احتضان الجزائر لملتقى دولي شهر أبريل المقبل لمناقشة مضامين ومحتويات مادة التربية الإسلامية وطرق تدرسيها. كما يؤكد على أن الاعتدال وفطنة العلماء هو السبيل لمحاربة التطرف والإرهاب.

نص الحوار

تقارير دولية عديدة تنتقد الجزائر وطريقة تعاملها مع الأقليات الدينية، البعض يتساءل عن خلفيات التضييق عن بعض الجماعات الدينية في الجزائر؟

الجزائر معروفة بضمان حرية المعتقد منذ القديم، وأعراف الشعب الجزائري وتقاليده قائمة على احترام حرية الأديان السماوية، لأن إيمان المسلم لا يكتمل إلا بإيمانه بالأديان السماوية والأنبياء عليهم السلام. ولا يجوز في الإسلام التضييق أو الاعتداء على أتباع الديانات السماوية. وفيما يتعلق بموضوع التقارير الدولية، فهي في العادة مثار تناقض بين حقيقة الواقع والتلاعب الإعلامي، وتندرج في سياق العلاقات الدولية.

وقد أثبتت الوقائع الميدانية زيف هذه التقارير وعدم مصداقيتها، فزيادة على أحكام الإسلام التى نلتزم بها في المعاملة الحسنة مع أتباع الديانات السماوية، الدستور الجزائري ومختلف التشريعات والقوانين سارية المفعول، ضمنت حرية المعتقد، وهو المكرس دستوريا.

كما صادقت الجزائر على الكثير من الاتفاقيات الدولية، وهي تلتزم بها ولم نطلع في الميدان على ما تروجه هذه التقارير التي تستغل بعض الظروف لتظهر في المنابر الإعلامية. وللإشارة فقد رحب المسلمون باليهود بعد سقوط الأندلس، كما تعايش المذهب الإباضي والمالكي، وعرف الجزائريون أيضا المذهب الحنفي منذ العهد التركي.

لكن هناك متابعات قضائية تطال أفراد ومنتسبي العديد من الجماعات الدينية في الجزائر، على غرار ما وقع لأتباع الأحمدية، ما موقف هيئتكم من ذلك؟

لقد ضمن الدستور الجزائري، ومختلف القوانين والتشريعات القانونية، حرية ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين، خاصة القانون الصادر سنة 2006، وهو نفسه القانون المطبق أيضا على المسلمين في الترخيص لبناء المساجد وإقامة صلاة الجمعة ومختلف الشعائر.

وتندرج هذه التشريعات في إطار تكريس ثوابت المجتمع، وبما لا يمس استقرار وأمن البلاد، ودون أن يخالف القوانين سارية المفعول. وما كان من إجراءات قانونية اتخذتها المؤسسات المخولة بحماية المواطنين والممتلكات، يدخل في إطار المهام المخولة لها وعملها اليومي، بعدما تجاوزت بعض سلوكات أفراد ومجموعات الحدود المسموح بها، وعملت على إشاعة الاضطراب والقلاقل بين المواطنين.

ونحن في الجزائر نعرف استقرارا في الممارسة الدينية منذ قرون، وعرفنا التنوع في المذاهب الفقهية، التى ساهمت في إنضاج الكثير من المواضيع والمشاريع، في إطار الهوية الوطنية الكلية، دون إقصاء أو تهميش أو مضايقة.

ويسعى المجلس الإسلامي الأعلى إلى الارتقاء بالاجتهاد وإشاعة الوعي بالعيش المشترك، والاعتراف بالآخر المختلف، في سياق العمل على توفير الأجواء والمناخات التى يمارس فيها المواطنون قناعاتهم وأفكارهم بكل حرية، في إطار استقرار الوطن.

شهدت بعض مساجد الجزائر اعتداءات من قبل "جهات متطرفة".. ما الرسالة من هذه الاعتداءات التي استهدفت الأئمة؟

إن الممارسات العنفية والمتطرفة لا تكاد يخلو منها بلد من البلدان، خاصة في هذه السنوات التي يعيش العالم فيها موجات من التطرف من مختلف الجهات والأطراف.

وما عرف من اعتداءات كانت من أفراد معزولين ولم تتحول إلى موجة أو ظاهرة عامة، وسرعان ما تمت مواجهتها من طرف المواطنين، واتخذت المؤسسات المخولة بحماية المواطنين والممتلكات، الإجراءات المطلوبة، لاحتواء تلك الأحداث.

وتبقى مثل هذه الظواهر والأحداث بحاجة إلى الكثير من الجهود التي يفترض أن تقوم بها مؤسسات الدولة، والتي يقع على عاتقها المساهمة في إشاعة قيم الاعتداء والوسطية والعيش المشترك واحترام الآخر وضمان التعبير للجميع، دون التجاوز على حقوق وحريات الآخرين.

فاعلون سياسيون وهيئات في الجزائر تطالب بضرورة مراجعة محتوى المناهج التعليمية لاحتوائها على نصوص دينية تدعو للتطرف.. ألم يحن الوقت بعد لتعديل هذه المراجع التعليمية؟

قطعت الجزائر أشواطا معتبرة في قضية إصلاح المنظومة التربوية، وهي تثير في كل مرحلة نقاشا وحوارا تساهم فيه النخب العلمية والتعلمية والإعلامية، يتم الاستفادة منه والاعتماد عليه في الخطوات القادمة.

وفي هذا السياق، سينظم المجلس الإسلامي الأعلى شهر أبريل القادم بحول الله، ملتقى دوليا حول مناهج تدريس التربية الإسلامية في المؤسسات التعليمية، وهو الملتقى الذي سنبحث فيه مع عدد من الوزارات والمؤسسات والشخصيات العلمية المتخصصة في مناهج التعليم، لبحث الطرق الأفضل لتدريس المواد الإسلامية، وفق القواعد العلمية المعتمدة.

تشهد الجزائر هذه الأيام سجالا كبيرا تغذيه دعوات مفكرين حداثيين لضرورة مراجعة مجموعة من النصوص الدينية.. ما موقفكم من هذه الدعوات؟

الإسلام دين الحرية منح للإنسان كل الخيارات في البحث عن الحقيقة، ولم يحجر عليه ومكنه من تحمل المسؤولية في اعتقاده، والجزائر بلد يتسم بالحرية في التعبير، وقد عاشت على هذه البلاد، الكثير من الأفكار والديانات، ومرت من هنا شعوب عديدة، بمحمولاتها الثقافية والاجتماعية.

وموضوع الاجتهاد وازدهاره هو المهمة الأولى للمجلس الإسلامي الأعلى، والمجال مفتوح لكل الأفكار والاتجاهات، وتبقى الضوابط العلمية والمسؤولية الأخلاقية، الكفيلة بالفصل في كل الدعوات والاقتراحات والطروحات، لتكون مصلحة الأمة وحمايتها من الأخطار والارتقاء بالوعي الجماعي لخدمة الإنسان هو الهدف المنشود، في ظل أجواء من الحوار المسؤول والنقاش العلمي واحترام الآخر وتقدير الحقيقة، بعيدا عن الإقصاء والتهميش، كما أننا نقف ضد الاستهزاء بالديانات او ازدرائها.

اكتسبت الجزائر تجربة طويلة في محاربة الجماعات المتطرفة.. هل من استراتيجية جديدة لتجفيف منابع الفكر المتطرف في الجزائر؟

الجزائر من أكثر البلدان التى تعرضت لشرور الإرهاب والتطرف، ودفعت تكلفة عالية جدا. ولكن بفضل حفظ الله تعالى، وحرص قيادة البلاد على حقن الدماء، وصون الأعراض، وما توفر من وعي عميق لدى فئات المجتمع، تمكنت الجزائر من تجاوز الأزمة ومعالجة الكثير من آثارها المادية والنفسية.

إلا أن مواجهة الجوانب الفكرية للإرهاب والتطرف، تحتاج إلى تظافر جهود كبيرة ومدة طويلة لتحقيق النتائج المنتظرة، خاصة وأن أفكار التطرف وموجات العنف، تتجاوز الحدود وتستند على الوسائل الإعلامية الحديثة في الانتشار، مما يفرض إرادة حقيقية في مشاريع تعاون على المستوى الدولي لمواجهتها.

ويبقى تراكم تجارب الشعب الجزائري وخبراته وفطنة علمائه وجهودهم في تجاوز المحن والأزمات، الدعامة الكبرى لكل مشاريع مواجهة التطرف والإرهاب، وما تقوم به المؤسسات الجزائرية في نشر أفكار الوسطية والاعتدال، كفيل بأن يحمي المجتمع ويصون الأجيال القادمة.

هل يؤمن المجلس الإسلامي الأعلى بإعادة إدماج المتطرفين في المجتمع؟ وماهي ضمانات نجاح هذه الخطوة؟

إن ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي تبنته الجزائر نموذج راق في معالجة التطرف والغلو، فهو يمنح المجتمع فرصة ثمينة لحقن الدماء وجبر الخواطر ومداواة الجراح وترميم التصدع، الذي تخلفه موجات الإرهاب وسلوكات التطرف.

كما تضمن ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، الكثير من الآليات والإجراءات القانونية، التي تتكفل بكل الضحايا وتضمن الحقوق وتوفر أجواء الكرامة والعيش المشترك، وفق أعراف وتقاليد الشعب الجزائري، المعروف بالتسامح والعفو عند المقدرة والتجاوز عن المسيء. وقد تبعتها الكثير من التشريعات والقوانين والمؤسسات المُساعِدة على مواجهة الآثار المؤلمة التى خلفتها سنوات الإرهاب، ويبقى الهدف النهائي هو المعالجة الكلية لكل الأزمات والمشاكل التى تعترض المجتمع.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG