رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

الأمير عبد القادر أسيرا.. كيف سلم نفسه للفرنسيين؟


الأمير عبد القادر الجزائري

في ديسمبر سنة 1847 قرّر الأمير عبد القادر تسليم نفسه للفرنسيين، بعد مشاورة أصحابه، وفق شروط كتبها ووافقت عليها فرنسا لكنها سرعان ما نقضتها.

ختمٌ على بياض

"لمّا قرر الأمير التسليم، أرسل إلى الجنرال لامورسيِير، رئيس الجيوش الفرنسية، رسولا من حاشيته ليخبره باستسلامه، فلما وصل إلى الجنرال اهتز سرورا وبادر إلى ورقة مهرها بختم على بياض، وأرسلها مع الرسول ليشترط فيها الأمير ما يريد ويبعث معه سيفه"، هذا ما ورد بخصوص ما سبق حادثة التسليم في كتاب "الأمير عبد القادر الجزائري" للفرنسي برونو إيتيان.

يؤكّد هذه الوقائع الباحث الجزائري يحي بوعزيز في كتابه "الأمير عبد القادر رائد الكفاح الجزائري"، حيث يقول: قرر الأمير أن يسلم نفسه إلى الفرنسيين بعد أن تداول الأمر مع خاصته من جميع الوجوه، فخابر الجنرال لاموريسيير في الأمر، وحصل الاتفاق على التسليم بشروط منها: أن يحملوه مع عائلته إلى عكة أو الإسكندرية، أن لا يتعرضوا لمن يريد السفر معه من الضباط والعساكر، أنّ الذي بقي منهم في الوطن يكون آمنا على نفسه وماله".

ويضيف المصدر بأن الأمير "وجد في انتظاره الدوق دومال ابن ملك فرنسا والجنرالين كافينياك ولاموريسيير وغيرهم من الأعيان، فسلم نفسه إليهم وكان ذلك في 23 ديسمبر 1847، بعد أن صلى ركعتين في مقام سيدي إبراهيم، وهو المكان الذي انتصر فيه على الجيش الفرنسي قبل عامين وهزمهم شر هزيمة".

وعن هذا الاستسلام علقت صحيفة "لومونيتور" الفرنسية "أتاح لنا استسلام عبد القادر أن نخفض عدد الرجال ونقلل من الأموال المخصصة لأفريقيا.. وأمكن أن ننقل إلى أماكن أخرى مئات الآلاف من الرجال الذين وضعوا هذه الشعوب تحت نيرهم"، وفق الباحث الفرنسي برونو إيتيان.

الغدر ونقض العهد

استقل الأمير وعائلته ومن معهم بارجة حربية فرنسية من ميناء الغزوات (غرب الجزائر)، معتقدا أنه سيتوجّه إلى مدينتي الإسكندرية أو عكة، لكنّه فوجئ بالحقيقة!

وعن هذه الحادثة، كتب الباحث يحي بوعزيز "وبينما الأمير ينتظر وصولها شرقا، إذ بها ترسو بميناء طولون الحربي في غرة جانفي 1848، وإذا بحاكم طولون يقف أمام الأمير ليقول له: إني مأمور بإنزالك هنا في برج لامْلاك الحربي، حتى تأتي الأوامر الجديدة من باريس".

واسترسل "فتأسّف الأمير لهذه الخيانة وقال في رسالة وجهها إلى الملك الفرنسي: لو كنا نعلم أنّ الحال سيؤول إلى ما إليه آل، لم نترك القتال حتى تنقضي منا الآجال".

اقتيد الأمير إلى حصن رفقه عائلته، ويكشف برونو إيتيان أن الأمير "لم يكن يعرف بعد أنّ طولون ليست مرحلة نحو الشرق كما وُعد، إنما هي سجن رهيب بارد رطب، أرسل الأمير رفقة عائلته إلى حصن لامالغ (Lamalgue) عبر ممرات رطبة سيئة الإضاءة ونساء الأمير يبكين وهن يعانقن والدته لالة زهرة الصامدة.. ولم يفهم الأمير سبب نقض ابن الملك لعهده".

وفي سجنه زاره الجنرال دوماس مبعوثا من رئيس الحكومة فرانسوا غيزو، وقال له "عليك أن تنسى الوعود المقطوعة لك!"

ردّ الأمير وسخريته

"إنكم لا تعرفونني إذا؟ كم هم غريبون هؤلاء الأورام! هو ذا رجل كنت أعتقد أنني أعرفه وقد جاء ليهينني في عمق سجني بالذات، ولكن كيف يتصرّف هؤلاء الفرنسيون".

هكذا ردّ الأمير على غيزو، واستطرد ساخرا "إذا كان بإمكانك أن تأتيني من قِبل مَلكك بكل ثروات فرنسا، مجمّعةً أموالا ومجوهرات، تضعها في ذيل هذا البرنس، لرميتها حالا في البحر الذي يلطم جدران سجني، ولا أعود عن المطالبة بتنفيذ العهد الذي قطع لي علانية. هذا العهد الذي سأحمله حتى قبري. إنني ضيفكم فاجعلوني أسيركم إن أردتم، لكن الخزي والعار سيلحقان بكم لا بي".

يقول برونو إيتيان إن شخصيات فرنسية كبيرة زارت الأمير في سجنه وظل يردّد على مسامعهم "ليس لديّ ضمانة أعطيها لثبات تصميمي الحاسم مستقبلا إلا ما كنت أعطيته، فلو لم أرد الاستسلام لما رأيتموني هنا"، كما راسل الأمير شخصيات داخل فرنسا وخارجها وعرض عليهم حقيقة ما تعرّض له، وكتب في إحدى رسائله "إن شعوب الأرض في المشرق والمغرب، تعرف العهد الذي قطعه لي جنرالكم لامورسيير".

الحرية والرحيل إلى المشرق

ظل الأمير يُنقل بين سجون نانت وطولون وبُو وأخيرا سجن أمبواز، وبقي سجينا من أواخر سنة 1847 إلى سنة 1852 (قرابة 4 سنوات)، ويذكر أحد المصادر، أن الأمير كان في سجنه "عالي الهمة لم تؤثر فيه شدة المشاق التي أحاطت به من كل جانب".

وعن قصة إطلاق سراحه، يضيف المصدر السابق "حضر إليه في سجن أمبواز الإمبراطور نابليون الثالث فبشره بإطلاق سراحه، وأهداه سيفا مرصعا وقال له: لقد سلمتَ سيفك لفرنسا ولكن فرنسا لا تريدك أن تخرج من بلادها بدون سيف، وها أنذا أقدم لك هذا عوضا عن ذاك"، ورتب له في كل عالم خمسة آلاف ليرة فرنسية.

قبل سفره أقام نابليون الثالث مأدبة عشاء، قال عنها وعن غيرها الباحث يحيى بوعزيز "أقيمت على شرفه المآدب الفاخرة من طرف الوزراء ورجال الدولة ووجهاء الشعب الفرنسي، وبخاصة مأدبة نابليون الثالث، تناول فيها الأمير مختلف الأحاديث: العلمية مع العلماء والعسكرية مع الحربيين والسياسية مع رجال السياسة، مما جعل الجميع يعجبون بذكائه وخبرته في كل الشؤون".

وعلّقت صحيفة إليستراسيون بسخرية على هذه الأحداث، فكتبت "غدَا عبد القادر أسد احتفالاتنا العامة، فنُخبة باريس تصفق له وهو يتلقى ترحيب لويس نابليون في المقصورة الإمبراطورية معانقا، حيث استمعا إلى أوبرا موسى لِروسيني".

خرج الأمير عبد القادر من فرنسا ووصل إلى القسطنطينية في تركيا في يناير 1853، حيث قابل السلطان عبد المجيد خان، ومن هناك بدأت قصة أخرى من حياته في بلاد المشرق.

المصدر: أصوات مغاربية

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG