رابط إمكانية الوصول

logo-print

مهري.. 'زعيم' ابتعد بالحزب الحاكم عن السلطة في الجزائر!


عبد الحميد مهري (أقصى اليمين) في صورة رفقة الحكومة المؤقتة سنة 1959 بتونس

"كثر هم الزعماء الذين نسجوا حول أنفسهم هالة الزعامة بحق أو بغير حق، أما عبد الحميد مهري فهو زعيم بالطبيعة، رغم أنه ابتعد عن الهالة، ولكنها بحثت عنه وأحاطته بضوئها، فأنت إذا رأيته في تواضعه تقول ما أبعده عن الزعامة التي يتبختر في حللها الأدعياء، ولكنك إذا تأملت في عمق تفكيره وطريقة إقناعه، حكمت بأن الزعامة خلقت له أو خلق لها..".

بهذه الكلمات وصف شيخ المؤرّخين الجزائريين، أبو القاسم سعد الله، السياسيّ الجزائري، والأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني، عبد الحميد مهري.

من يكون هذا الرجل، الذي أُزيح من زعامة الحزب بـ"خُطة" اصطلحت عليها الصحافة الجزائرية بـ"المؤامرة العلمية"، بينما يرى آخرون أنه أزيح من الحزب بطريقة ديمقراطية وشفافة، وينفون وجود مؤامرة؟

فقير تحدّى الجهل

ولد عبد الحميد مهري في 3 أبريل عام 1926، في منطقة الخروب بولاية قسنطينة (شرق الجزائر).

كانت أسرة الطفل عبد الحميد فقيرة جدا، فتعلم في ظروف كانت فيها متابعة الدراسة أمرا صعبا في ظل الاستعمار.

انضم عبد الحميد مبكرا إلى حزب "حركة انتصار الحريات الديمقراطية"، دون أن يترك تعليمه، حيث سافر إلى تونس عام 1948، ودرس في جامع الزيتونة.

عبد الحميد مهري (أقصى اليمين) في صورة رفقة الحكومة المؤقتة سنة 1959 بتونس
عبد الحميد مهري (أقصى اليمين) في صورة رفقة الحكومة المؤقتة سنة 1959 بتونس

عاد مهري سنة 1951 إلى الجزائر، وفي 1953 نال عضوية اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني.

اعتقلته السلطات الاستعمارية سنة 1953، وأفرج عنه بعد سنة، وفي 1955 سافر إلى القاهرة ممثلا لجبهة التحرير الوطني، ثم إلى دمشق ممثلا دائما لجبهة التحرير الوطني.

صار عضوا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية سنة 1956، ثم عضو لجنة التنسيق والتنفيذ، فوزيرا لشؤون المغرب العربي في الحكومة المؤقتة عام 1958، كما تقلد حقيبة وزير الشؤون الاجتماعية والثقافية في الحكومة المؤقتة بين 1960 و1961، وفي 1962 تخلى عن السياسة وصار مديرا للمدرسة العليا للأساتذة بين 1964 و1970.

يتحدّث عنه وزير الري الأسبق، عبد الرحمان بلعياط، لـ"أصوات مغاربية" قائلا "عبد الحميد، قامة من قامات الثورة، واكب الثورة من بدايتها إلى انتصارها، وهو عضو الحكومة المؤقتة لثلاث مرات، وكان سفيرا في باريس والرباط، ثم أصبح أمينا عاما للحزب، وهو رجل يتقن الفرنسية والإيطالية والانجليزية".

العودة إلى السياسة.. وأكتوبر

في سنة 1970 عاد مهري إلى مواقع المسؤولية السياسية، أمينا عاما لوزارة التعليم الثانوي، وفي 1979 أصبح عضوا في اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني.

في 1979، أي بعد سنة تقريبا من وفاة الرئيس بومدين، عينه الرئيس الشاذلي بن جديد وزيرا للإعلام والثقافة، ثم عُيّن سفيرا للجزائر بباريس في 1984، ثم سفيرا للجزائر في الرباط إثر عودة العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب عام 1988.

في الخامس من أكتوبر 1988، انطلقت مظاهرات في الجزائر طالبت بالحرية والديمقراطية، ونال حزب جبهة التحرير حصة الأسد من الغضب الشعبي، فأُحرقت مقرات الحزب في العديد من مناطق البلاد.

يقول عبد القادر بن داود، وهو عضو سابق في حزب جبهة التحرير الوطني، ورفيق سابق لعبد الحميد مهري "كان مهري رجلا حكيما، خاصة في أكتوبر"، ويستطرد بن داود متحدثا لـ"أصوات مغاربية"، قائلا "كانت الجبهة مستهدفة وأحرقت وخربت مقراتها، وقد عرف بخبرته كيف يمتص غضب الجماهير ويعيد للجبهة صورتها، فلم يكن منحازا للسلطة، بل كان منحازا للجزائر، وفي عهدته صار الحزب حزبا عاديا بعيدا عن السلطة".

استدعاه الرئيس الشاذلي بن جديد، وكلّفه بتسيير الحزب، فقاد مهري الحزب من 1988 إلى 1996، وكانت هذه بداية مسار جديد في حياة مهري، خرج فيه من دائرة السلطة إلى المعارضة.

"سانت إيجيديو.. القطيعة!"

عارض مهري توقيف المسار الانتخابي سنة 1992، في انتخابات فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ وشارك فيها حزب جبهة التحرير الوطني.

بعد مجيء الرئيس محمد بوضياف إلى الحكم كان البلد يغرق في الدم والدمار، ولم تكد تمر سنة حتى قُتل الرئيس، يقول بن داود عن وضع مهري في هذه المرحلة "لقد كان مضطرا للتعامل مع السلطة، لهذا قال: هذه سلطة فعلية أعترف بها وأتعامل معها، ورفض أن يقول إنها شرعية"، وهو ما أغضب السلطة آنذاك، يقول بن داود.

في سنة 1995 اتفقت المعارضة الجزائرية، على تنظيم لقاء في روما فيما عرف بـ"لقاء سانت إيجيديو"، لبحث الأوضاع في البلد، وإيجاد مخرج سياسي لما يحصل، وعن هذا يقول بن داود "التقيت مهري عشية ذهابه إلى روما، فقال لي إن الجميع متفق على خدمة الجزائر، لكن السلطة اختارت أنت تصف هؤلاء القامات؛ مهري وآيت أحمد وبن بلة بالخونة!"

ويتفق بن داود مع الرأي القائل بأن هذا المؤتمر كان سببا في "زيادة متاعب مهري السياسية مع السلطة، وهو ما أدّى إلى إزاحته سنة 1996 عبر مؤامرة"، ويرفض بن داود إطلاق تسمية "المؤامرة العلمية" على ما حدث، فيقول "لا علاقة للمؤامرة بالعلم، فالمؤامرة هي المؤامرة، إنها عمل قذر".

لكن الوزير بلعياط، وهو عضو سابق في الحزب، يؤكد لـ"أصوات مغاربية"، أن مهري لم يتعرّض لمؤامرة، بل أزيح بشكل ديمقراطي من قيادة الحزب "هو ليس انقلابا، الانقلاب يأتي من جهاز خارج الهيئة المعنية ويكون بصفة سرية وعنيفة أيضا، ولا توجد هذه المقاييس الثلاثة فيما حدث سنة 1996".

ويسترسل بلعياط "إنهاء مهام الأخ عبد الحميد مهري لم يأت بالسرّية ولا بالعنف، ولم يأت أيضا من خارج الحزب، هناك أعضاء من داخل الحزب نزعوا الثقة منه وبصفة علنية وبحضوره هو، أما الحديث عما سمي بالمؤامرة العلمية فهذا من نسج الصحافة وكلامها".

في 1998، أزيح مهري تماما عن اللجنة المركزية للحزب الحاكم، فابتعد عن السياسة وظل ينشط على المستوى العربي، فانتخب سنة 2000 رئيسا للمؤتمر القومي العربي.

لم يعد مهري للسياسة الداخلية سوى مرة واحدة، عبر رسالة وجهها إلى الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، دعاه فيها إلى مراجعة نظام حكم البلد، وإنشاء ما سماه "الجمهورية الثانية"، لكن بوتفليقة لم يرد.

توفي عبد الحميد مهري في الـ30 من يناير 2012، عن عمر يناهز 85 عاما، بعد معاناة مع المرض لمدة أسابيع بمستشفى عين النعجة في العاصمة.

وعُرف عبد الحميد مهري في حياته السياسية، بمقولة وصف فيها المشهد السياسي "المتردّي" في البلاد، بالقول "نحن في زمن الرداءة وللرداءة رجالها".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG