رابط إمكانية الوصول

logo-print

الحديث هنا عن ثائرة جزائرية تمرّدت على الجميع؛ تمرّدت على الأعراف والتقاليد والمجتمع والمستعمر، واختارت طريق المقاومة، فدخلت التاريخ من أوسع أبوابه.. إنها الثائرة لالة فاطمة نسومر "قاهرة جنرالات فرنسا".

عائلة شريفة

تنتمي لالة فاطمة نسومر إلى عائلة شريفة متدينة، في منطقة عين الحمام بولاية تيزي وزو الأمازغية (وسط الجزائر).

ولدت سنة 1830 وتوفيت في 1863، صحيح أنها لم تعش سوى 33 عاما، لكن حياتها كانت عامرة بالأحداث والمواقف، التي جعلت الصديق والعدو يعترفان لها بـ"المجد".

لالة فاطمة نسومر
لالة فاطمة نسومر

يدل لفظ "لالة" في مقدمة اسم فاطمة نسومر على التوقير والسيادة، والدها كان سيد زاوية الشيخ سيدي أحمد الرحمانية، وهي البنت الصغرى بين ستة إخوة (أربعة ذكور وشقيقة).

تلقت نسومر تعليما دينيا وسط العائلة وفي الزاوية التي يتشيّخُها أبوها سي محمد بن عيسى، فتلقت علوم اللغة والفقة، وهي التربية التي أثّرت فيها إلى نهاية حياتها.

التمرّد على الزواج!

تتناطح روايتان في قضية زواج فاطمة نسومر، تقول الأولى إنها لم تتزوج نهائيا ونذرت نفسها للعبادة والروحيات، أما الرواية الثانية فتقول إن أخاها الأكبر أجبرها على الزواج من ابن خالها فرفضت، لكنه زفّها إليه رغما عنها إلا أنها لم تمكث عنده سوى فترة قليلة وعادت إلى بين أهلها.

وفي هذا الصدد يقول أستاذ التاريخ في جامعة تيزي وزو الدكتور سي يوسف محمد لـ"أصوات مغاربية"، "فاطمة تمرّدت على الزواج فعلا، المُحصّلة أنها رفضته، سواء لم تدخل بيت الزوجية أصلا أو أنها بقيت فترة في بيت ابن خالها ثم عادت إلى أهلها".

ويضيف سي يوسف "بحكم تربيتها الدينية في الزاوية، تفرغت فاطمة للعبادة فقط، وكان الجميع يحترمها ويقدّرها بسبب سمو روحها وأخلاقها، وهذا ما صقل ثورتها على المستعمر فيها بعد".

ويتفق الباحث والأستاذ في جامعة الجزائر، الدكتور محمد أرزقي فراد، مع الدكتور سي محمد، فيؤكّد أن نسومر "رفضت الزواج في كل الأحوال وتمرّدت على الأعراف الاجتماعي وخاضت طريقها نحو العبادة فقط، والثورة بعد ذلك".

التمرد على المستعمر

احتلت فرنسا الجزائر سنة 1830، وذهب كثير من الرجال من منطقة القبائل لمقاومتها في مدينة الجزائر، ولما عاد الجرحى إلى مسقط رأسهم سمعت منهم فاطمة نسومر ما فعله المستعمر من تدمير واغتصاب، فحرك شعلة الثورة داخلها.

يقول الدكتور سي يوسف "في سنة 1851، حدث لقاء بين فاطمة نسومر والثائر في منطقة بجاية الشريف بوبغلة، وكان هذا بداية دور هذه المرأة في الثورة على المستعمر، الذي وصل إلى المنطقة حينها".

عكس ما تذهب إليه الروايات التاريخية من أن نسومر حملت السلاح، يقول سي محمد "دور فاطمة نسومر كان أكبر من حمل السلاح، لقد كان دورها روحيا تحريضيا، كانت مؤثرة إلى درجة أن شيوخ الزوايا كان يتوجّهون إليها لتبليغ رسائلهم للثوار، فلقد كان لها تأثير كبير في نفوس المقاومين وشحذ هممهم لمواصلة المقاومة".

أرزقي فراد بدوره أوضح لـ"أصوات مغاربية" أن ثورة نسومر كانت بمرجعية دينية "هذه المرأة قاومت الاستعمار كعدو للأرض والدين واللغة، وكان صيتها ذائعا في كل القبائل وسط الجزائر".

نهاية نسومر

شاركت نسومر في الثورة إلى جانب الشريف بوبغلة وخاضت معارك ضد المستعمر بالسلاح، فألحقت خسائر بجيش المستعمر، الذي عجز عن إخضاع المنطقة لفترة طويلة، وقد وصل عدد قتلى المستعمر على يد نسومر وبوبغلة إلى أكثر من 800 قتيل بينهم جنرالات.

تقول الروايات التاريخية إن الجنرال الفرنسي روندون جهز جيشا بخمسة وأربعين ألف رجل وتوجه إلى مكان فاطمة للقضاء عليها وعلى جيشها المكوّن من سبعة آلاف متطوع من الرجال والعديد من النساء، فدارت معركة كبيرة بين الطرفين سنت 1857 أدت إلى استنزاف جيش الجنرال الفرنسي، لكن الفاجعة كانت في إلقاء القبض على لالة فاطمة نسومر وسيقت إلى السجن مع مجموعة من المقاومات.

قبر لالة فاطمة نسومر السابق قبل نقل رفاتها إلى مقبرة العالية
قبر لالة فاطمة نسومر السابق قبل نقل رفاتها إلى مقبرة العالية

تُوفيت نسومر في السجن عن 33 سنة فقط، إثر مرض عضال تسبب في إصابتها بالشلل. ويسجل تاريخ الجزائر أن فاطمة نسومر كانت المرأة الوحيدة، التي تزعمت ثورة شعبية في الجزائر دامت قرابة 7 سنوات.

دفنت فاطمة في مقبرة سيدي عبد الله ببني سليمان بالقبائل ثم نقل جثمانها بعد الاستقلال إلى مدينة الجزائر لتدفن في مقبرة العالية قرب الأمير عبد القادر وكبارة قادة ثورة الجزائر.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG