رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

بن زلماط.. الراعي الجزائري الذي تمرد على دولة!


تمرد بن زلماط فتح الباب أمام الثورة الجزائرية

عندما هدأت الثورات الشعبية ضد فرنسا في الجزائر مع مطلع القرن الـ19، ظهر ثائر في منطقة الأوراس، شرق البلاد، وأعلن تمّرده على الاستعمار بصفة فردية، ووجدت دعوته تلك استجابة من شباب، قادوا ثورة ضد السلطات الاستعمارية.

سرقة تنتهي بتمرد

الحديث هنا عن رجل يُدعى مسعود بن زلماط، أو مسعود أزلماط. تناول سيرته مؤرخون جزائريون وفرنسيون أشهرهم جون ديجو، واشتهر بقيادته تمردا على فرنسا، رفقة المئات ممن معه، طيلة أربع سنوات.

وُلد مسعود بن زلماط سنة 1894 بنواحي تافرنت، في دوار زلاطو بولاية باتنة، شرق الجزائر، وهو الأخ الأصغر لعائلة متكونة من الأب والأم وثلاثة ذكور، هم: علي الأكبر وأحمد الأوسط ومسعود الأصغر.

مصادرة أملاك الجزائريين كانت أحد أسباب تمرد بن زلماط
مصادرة أملاك الجزائريين كانت أحد أسباب تمرد بن زلماط

كان مسعود بن زلماط راعيا للغنم في جبال الأوراس، لا شأن له بالثورة، غير أن انتهاج فرنسا سياسة تجنيد الجزائريين بصفة إجبارية، جعلته يرفض بشدة أن يكون بين جنودها، لكن فكرة التمرّد لم تكن قد اختمرت بعد في رأسه إلى أن حدثت قصة سرقة أخيه الأكبر علي حمارا، بعدما أرهق الفقر أسرته.

فقد دفعت المعاناة التي عاشتها عائلة مسعود مع الفقر شقيقه الأكبر، علي، إلى سرقة حمار، فألقت عليه السلطات الاستعمارية القبض وسجنته، ولم يدُم سجن علي طويلا، إذ نجح في الفرار وتمرّد في الجبال مع بعض الشباب الذين كانت فرنسا تطلق عليهم لقب "الخارجين عن القانون".

وفي يوم من أيام سنة 1916، وُجد عليّ مقتولا في بيت مهجور، وهي الحادثة التي خلّفت حزنا عميقا لدى مسعود.

الراعي المتمرد

كان مقتل عليّ بن زلماط والتجنيد الإجباري بمثابة الشرارة التي دفعت مسعود إلى أن يلقي عصا الراعي ويناصب الاستعمار الفرنسي العداء، إذ غادر قريته إلى الجبال سنة 1917، ومن يومها بدأ عصيانه الذي دام حتى سنة 1921.

لم يكن بن زلماط وحيدا، إذ انضم إليه عدد من شباب قريته والقرى المجاورة، وأشهر هؤلاء: أحمد بن قادة ورمضان حسوني وبن سالم محمد الصالح ومحمد بلعكل والصادق شبشوب.

يقول أستاذ التاريخ في جامعة باتنة، محمد الشريف بغامي، إن ثورة بن زلماط "كانت انتقاما من ظلم المستعمر للشعب ورفضا لسياسة التجنيد الإجباري التي فرضها على الشباب، وقد وصل صيت تمرّده إلى الجزائر كلها".

أرهق تمرد بن زلماط فرنسا، ما جعلها تعلن منطقة الأوراس "منطقة متمرّدة". هكذا راسل مسؤولون عسكريون فرنسيون الحاكم العام للجزائر قائلين إن "الأوراس منطلق تمرد"

أما محافظ مدينة باتنة فكتب في مراسلته: "يجب أن تظل الأوراس محل يقظة رجالنا باعتبارها منطقة التمرد، وعلينا أن نصل بأية وسيلة لإخماد المراكز التي يدبّر فيها العصيان".

أحكمت فرنسا حصارها على منطقة الأوراس، وشرعت في تعقب بن زلماط وجماعته، ففشلت مرات عديدة في القبض عليه أو اغتياله، لكنها نجحت في قتله عندما كان في قرية بوحمامة، رفقة صديق له، يشربان الماء من إحدى عيونها، حيث تمت مباغتتهما وقتلهما.

سنوات بعد مقتل بن زلماط ستنطلق موجة المطالبة بالاستقلال
سنوات بعد مقتل بن زلماط ستنطلق موجة المطالبة بالاستقلال

​ويصف المؤرّخ محمد أرزقي فراد ما قام به زلماط بأنه "تمرّد فردي وليس ثورة، وكان باكورة لغضب شعبي اجتماعي على فرنسا من أجل رفع الظلم".

ويضيف فراد، في حديثه مع "أصوات مغاربية"، قائلا: "كان الاستعمار يُطلق على بن زلماط، وعلى بقية المتمردين في الجزائر كلها، لقب 'لصوص الشرف'، ولم يكن بن زلماط وحده في الجزائر، ففي القبائل كان أرزقو بشير وفي مدينة معسكر غربا كان بوزيان القلعي".

ويختم فراد توضيحه قائلا: "أرى أن هؤلاء المتمردون كانوا حلقة وصل بين الهدوء الذي ساد الجزائر بداية القرن التاسع عشر وبين بداية الكفاح السياسي في الجزائر، في الثلاثينات إلى الخمسينات، والذي كلل بثورة نوفمبر 1954".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG