رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

بيار شولي.. طبيب الثورة الجزائرية


بيار شولي

بيار شولي؛ رغم أصوله الفرنسية وديانته المسيحية، إلا أنه لم يختر بلده الأصلي فرنسا، بل اختار القضيّة التي رآها تتماشى مع إنسانيه، فناصر الثورة الجزائرية وكان طبيبها وصحافيّها.

الطبيب والحقيقة!

ولد بيار شولى سنة 1930 في الجزائر من أبوين ولدا أيضا في الجزائر، وكانا ناشطين في الحركة النقابية الكاثولكية.

درس الطفل شولي في المدارس المسيحية التابعة لكنيسة السيدة الأفريقية في الجزائر العاصمة، وكان متفوقا، ما أهّله لدخول كلية الطب في جامعة الجزائر.

لم تكن الجامعة مرحلة تحصيل علمي فحسب بالنسبة لشولي، بل كانت مرحلة وعي سياسي بما يجري في البلد المحتلّ، فاحتك الطالب الفرنسي الشاب بالحركة الطلابية الجزائرية، ما جعله يدرك الواقع الاستعماري والوضعية الدرامية التي كان يعيشها الشعب الجزائري، فأسّس حركة الطلبة الكاثوليكيين.

غلاف مذكرات بيار شولي وزوجته كلودين
غلاف مذكرات بيار شولي وزوجته كلودين

تعمّق إدراك شولي للواقع الأليم أكثر عندما بدأ يمارس الطب في الأحياء القصديرية، حيث يقيم الجزائريون، فشاهد البؤس والأمراض والجوع، وكانت نقطة تحوّل في حياته.

كتب شولي في مذكراته "خيار الجزائر: صوتان وذاكرة"، وهو يصف هذا الواقع "لقد أخرجني من جنة المستوطنين الذين كانوا يرون الجزائريين يوميا دون أن يعرفوهم؟!.. هذا البؤس السحيق لا يمكن أن يعالج ببرامج اجتماعية، وأعمال تطوعية عابرة، لأنه باختصار ظاهرة طبيعية وليدة نظام الاستغلال الذي لا يمكن تجاوزه بدون تغيير سياسي عميق".

الشباب والإعلام

قرر بيار شولي الانغماس في حياة الجزائريين أكثر، ففي مطلع الخمسينيات صار رئيس جمعية الشباب الجزائري للحركة الاجتماعية، وكانت جمعيته تنظم لقاءات مع حركة الكشافة الجزائرية، فيطلعون على أحوال الناس الصحية والاجتماعية، كما كان يجري تبادل الآراء مع شباب الحركة الوطنية.

وفي 1952 انتقل إلى العمل الإعلامي، فكان أحد مؤسسي مجلة "الضمائر المغاربية" وعضوا في هيئة تحريرها، وكانت تتناول الواقع الاستعماري في الجزائر وفي تونس والمغرب.

الشّابّان بيار وكلودين
الشّابّان بيار وكلودين

في سنة 1954 اندلعت الثورة الجزائرية، وكان شولي أول الملتحقين بها بعد اتصاله بكبار الثوريين ومنهم العربي بن مهيدي وعبّان رمضان.

وعن هذا كتب شولي "لقد ساهم أمثال هؤلاء في إخراجي من الفقاعة الاستعمارية، وتحولي تدريجيا من النشاط الاجتماعي إلى الموقف السياسي."، ويضيف متحدّثا عن فرنسا الاستعمارية "لم أعد أشعر بالتضامن مع جمهورية لا تحترم القوانين التي تسنها!".

الثورة.. والاختيار

يوما واحدا بعد الفاتح من نوفمبر 1954، قابل الدكتور شولي الصحافي محمد العيشاوي، التابع لجبهة التحرير الوطني، فاستفسره عن هجومات ليلة البارحة، فأجابه "العمليات جدية، وهي ليست من صنع المصاليّين ولا المركزيّين".

ويردف شولي في مذكراته "بعد اطّلاعي على بيان فاتح نوفمبر، وافقت على الاختيار الذي تطرحه جبهة التحرير على الأقلية الأوروبية، وقد أرضاني تماما.. ومنذ ذلك اليوم اخترت طريق الجزائر المستقلة، والتضامن مع الذين رفعوا راية الكفاح.".

البروفيسور بيار شولي
البروفيسور بيار شولي

ناضل الطبيب شولي في صفوف جبهة التحرير الوطني من خلال نشاطه مع رجلين فاعلين في الثورة، كان على اتصال مباشر بهما، وهما: رمضان والعربي بن مهيدي، فقام بأدوار عديدة كمعالجة الجرحى وتكوين الممرّضين وطبع ونشر المنشورات.

من 1954 إلى 1956، نشط شولي في خلايا سرية لجبهة التحرير وكُلف هو وزوجته كلودين بمهامَّ صعبة منها: إخفاء وتهريب قادة الثورة، وترتيب اتّصالاتهم مع الشخصيات الأوروبية بغرض كسب تأييدهم لمطلب الاستقلال.

الاعتقال.. والاستقلال

اعتُقل شولي مرتين، سنة 1956 رفقة شقيقته آن ماري بعد العثور على اسمها وعنوانها في كراسة مقاوم جزائري، ثم أطلق سراحه، ثم اعتقل سنة 1957، وقد حُبس هذه المرة نحو ثلاثة أشهر ثم أفرج عنه، لكن مع طرده إلى فرنسا، ما جعل زوجته كلودين تتولى المهمة الثورية بدلا عنه.

ما لبث شولي أن غادر فرنسا إلى تونس والتحق بالمراكز الصحية لجيش التحرير، كما انضم إلى جريدة "المجاهد" لسان حال جبهة التحرير الوطني، فجمع بين الطب والإعلام مرة ثانية، حيث كان من مؤسسي وكالة الأنباء الجزائرية سنة 1961.

بعد الاستقلال دخل شولي إلى الجزائر وحصل على الجنسية الجزائرية، وكان يقول للمسؤولين السياسيين "أنا لا أطالب بتجنيسي، أنا أطالب بحقّي!"، من شدّة إيمانه بالجزائر وقضيتها.

جثمان بيار شولي في كنيسة السيدة الأفريقية بالجزائر
جثمان بيار شولي في كنيسة السيدة الأفريقية بالجزائر

تقلد شولي مناصب عديدة منها: مسؤول جناح الطب الاختصاصي في طب الأمراض التنفسية منذ 1971 إلى غاية 1994، وكان عضوا في المجلس الشعبي لبلدية الجزائر الوسطى ونائب رئيس المرصد الوطني لحقوق الإنسان، ومكلفا بمهمة في حكومتي بلعيد عبد السلام ورضا مالك.

هدده متشددون سنة 1994 فهاجر إلى سويسرا مع زوجته وعمل في برنامج الأمم المتحدة لمكافحة مرض السل، وفي 1999 عاد إلى الجزائر واشتغل خبيرا في الصحة بالمجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي (هيئة رسمية).

في أكتوبر 2012 توفّي البروفيسور شولي بفرنسا، وأوصى قبل ذلك بأن يدفن في المقبرة المسيحية بالجزائر العاصمة.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG