رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

في مغارة بالجزائر.. نزل وحي 'دونكيشوت' على سرفانتس!


مغارة سيرفانتيس أحد المعالم الثقافية في الجزائر

بين القرنين 16 و17، ألقت البحرية المشتركة العثمانية الجزائرية، القبض على مجموعة من المقاتلين الإسبان، واقتادت سفينتهم إلى الجزائر.

ما لم يكن يعلمه رجال البحرية المشتركة يومَها، أنه من بين الأسرى الإسبان شاب مثقف، وأن هذا الشاب سيؤلف واحدة من أشهر الروايات في العالم.

الأسير وحاكم الجزائر

ذلك الشاب هو دييغو دي سرفانتس، مؤلّف رواية "دون كيشوت"، إحدى روائع الأدب العالمي، التي تناول فيها قصة رجل أحمق، ظن نفسه فارسا مكلفا بمهمة مقدّسة.

يقول الروائي الجزائري واسيني الأعرج، وهو مؤلف رواية "على خطى سرفانتس"، إن قصة سرفانتس حقيقية وموثّقة، "تعود الحكاية إلى القرنين 16 و17م، وتتعلق بجندي إسباني ألقى عليه العثمانيون والجزائريون القبض بنواحي مرسيليا الفرنسية رفقة أخيه بيدرو، بينما كانا عائدين من معركة ضد العثمانيين أصيب فيها ذراعه، واقتادوه إلى الجزائر، وهناك عرضوه للبيع في سوق العبيد، فاشتراه أحد رياس البحر اسمه أرناؤوط مامي، وباعه لحاكم الجزائر حسان فينسيانو بـ500 قطعة ذهبية، وهو مبلغ كبير".

ويضيف واسيني متحدثا لـ"أصوات مغاربية"، بأن فينسيانو وحاشيته اكتشفوا أنّ الذي بين أيديهم ليس مجرد جندي أسير، كما يبدو، بل هو شاب مثقف جدا".

من جهته يقول الروائي الجزائري جمال غلاّب، وهو صاحب رواية "سرفانتس في الحامة"، إن والد سرفانتس كان بائع أعشاب "جمع يوما ما أبناءه الثلاثة وقال لهم إن لديه ثروة صغيرة يريد أن يمنح كلا منهم نصيبا منها، شريطة أن يخبروه بما يريدون أن يصيروا في المستقبل".

ويضيف المتحدث لـ"أصوات مغاربية"، أن سرفانتس قال لوالده إنه يريد أن يصير جنديا في الجيش الملكي وكذلك رغب أخوه بيدرو، بينما اختار الثالث أن يكون راهبا، "وبالفعل، فقد انضم سرفانتس للجيش الملكي وسافر لمحاربة العثمانيين في إيطاليا، وهناك أصيب في ذراعه، ثم أسر سنة 1575م واقتيد إلى الجزائر".

المغارة​.. والغرام

"مكث سرفانتس في السجن لفترة، وكان يقدم رشوة للسجانين حتى لا يخرجوه للعمل رفقة السجناء الآخرين، فكان يستغل الفرصة لصعود سطح السجن ومراقبة المدينة، رأته شابة فأُعجبت به وأرسلت له رسالة وتبادلا الرسائل مرات عدة، وتبيّن أن الشابّة ابنة رجل من وجهاء البلد"، يقول جمال غلاب.

ويضيف الروائي الجزائري "وعدت الشابة سرفانتس بمساعدته في الخروج من السجن إلى مغارة، وفعلا هيأت له مغارة ولجأ إليها رفقة بعض الأسرى، واستعدّ الجميع للهرب".

يكمل واسيني الأعرج فصول قصة سرفانتس، قائلا "فشل الأسرى في الهرب بعدما ألقى الجنود القبض عليهم، فقُتلوا جميعا إلاّ سرفانتس، وهنا يتحدّث باحثون إسبان عن وجود علاقة جنسية مثلية بين حاكم الجزائر فينسيانو وسيرفانتس، ويقولون إنها السبب في نجاة سرفانتس من القتل، على حد قولهم".

وحسب واسيني فإن سرفانتس لم يعد إلى السجن بل إلى المغارة، وهناك كان يطل على المدينة، وكان يسجّل ملاحظاته عن نمط الحياة وطبائع السكان، وكلها كانت أرضية ساعدته في كتابة روايته.

ويقول غلاب، من جهته، إن سرفانتس كان يتجول في المدينة وفي الأسواق، وكان يرتاد حلقات المدّاحين "كان يستمع إلى القصص التي يروونها ويسجّلها في أوراق، لقد تعلم منهم أسلوب السرد والحوار وبناء القصة والشخوص والخيال".

الحرية.. والدّون كيشوت

فشلت كل محاولات إطلاق سراح سرفانتس سواء عبر دفع فدية، إذ طلب العثمانيون أمولا كبيرة لإطلاق سراحه، كما فشلت الحلول العسكرية، وظل في الجزائر 5 سنوات أطلق بعدها سراحه، يقول الروائي جمال غلاب.

ويسترسل "لقد كان يرغب في كتابة عمل أدبي كبير، مثل الكوميديا الإلهية لدانتي، لذلك بدأ يؤلف روايته دونكيشوت، وقد نال الموافقة من الملك فيليب الثاني ليبدأ كتابتها، وكانت المفاجأة أن بيعت الطبعة الأولى من الرواية في وقت قياسي، ما اضطره لطبعة ثانية، نفذت بشكل سريع أيضا".

غلاف رواية "سرفانتس في الحامة" لصاحبها جمال غلاب
غلاف رواية "سرفانتس في الحامة" لصاحبها جمال غلاب

ويؤكّد غلاب أن أسلوب رواية "دونكيشوت" ليس إسبانيا، إذ يقول "بشهادة أدباء إسبان تحدّثتُ إليهم عندما زاروا معهد سرفانتس بالجزائر، فإن هذا النوع من الرواية ليس إسبانيًّا، بل هو جزائري.. لقد أكدوا لي أن الأدب الإسباني لا يُكتب على هذا النحو".

يقول واسيني، أيضا، إن سرفانتس بات حرا بعدما تغيّر حاكم الجزائر فينسيانو، فانتقل إلى إسبانيا وهناك كتب روايته المشهورة "لكنه عانى من تضييق الكنيسة والجيش، حيث كانت محاكم التفتيش ضد المسلمين واليهود ناشطة، وطلبوا منه شهادة نقاوة الدم ليثبت أنه مسيحي، واتهموه بقرابة دم مع المسلمين، وقد نجح في استخراج هذه الوثيقة لكنه ظل محل شكوك".

الرواية والمغارة

يختم صاحب رواية "على خطى سرفانتس"، واسيني الأعرج، بأن رواية "دونكيشوت" حققت نجاحا كبيرا "لقد ترجمت إلى 75 لغة في العالم، وهي عمل كبير، خصص ثلاثة فصول كاملة منها للجزائر.. لقد زرت بيته ومدينته قبل كتابة روايتي، ففي مدينته هناك ثلاثة أحياء متجاورة للمسيحيين واليهود والمسلمين وهذا دليل على الثراء والتسامح".

وتقع "مغارة سرفانتس" أسفل جبل ببلدية بلوزداد بالعاصمة الجزائر، وتطل على الميناء، يبلغ طولها سبعة أمتار وعرضها متران، وهي معلمة ثقافية تحافظ عليها الحكومة الجزائرية والسلطات الإسبانية.

أما رواية "دونكيشوت"، فهي في جزءين، الأول بعنوان "العبقري النبيل: دون كيشوت دي لا مانشا" وألفها سرفانتس سنة 1605، وأتى جزؤها الثاني عام 1615 بعنوان "العبقري الفارس: دون كيشوت دي لا مانتشا".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG