رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

قصور تاغيت بالجزائر.. 'كنز' طينيّ يصارع الزمن


أحد قصور "تاغيت" الطينية

في قلب الصحراء جنوب غرب الجزائر، وتحديدا في ولاية بشار، ترقد مدينة "تاغيت" على "كنز طيني" يصل عمره إلى أكثر من 11 قرنا ولا يزال صامدا رغم تطاول الزمن.. ذلك الكنز هو "قصور تاغيت"، فما قصة هذه القصور؟

طين مقاوم

سُميت "تاغيت" بأسماء عديدة أشهرها: "الواحة الحمراء" و"عروس الساورة"، يتقاطر عليها السياح من الجزائر ومن خارجها بسبب قصورها الطينية البديعة.

لا تزال تلك القصور صامدة لتمثّل "كُتُب تاريخ مفتوحة على الطبيعة" أمام زائري المدينة، ويعود سبب استعمال الطين والنخيل في بنائها إلى قدرة الطين على مقاومة الطبيعة القاسية للمنطقة وزوابعها الرملية العنيفة، كما يمنع دخول الحرارة في الصيف الساخن حيث تتجاوز درجات الحرارة هناك 50 درجة، كما أنه يعدّل درجة الحرارة شتاء عندما تنخفض ويصبح الجو بردًا.

من أشهر المناطق الأثرية في "تاغيت" منطقة "بني عباس"، وفيها قصور عديدة بينها: قصر أولات أوروت وقصر بني حسان وقصر القصيبة، كما أن المدينة مليئة بالزوايا المعروفة بـ"الزوايا الفوقانية" و"الزوايا التحتانية"، وكلها تخرّج حفظة القرآن وفقهاء كل سنة.

فضلا عن كون "تاغيت" واحة طبيعية ساحرة بما فيها من نخيل ومياه، فهي واحة للعلم أيضا يتخلّلها 24 قصرا، كتب عنها ابن خلدون في كتابه "ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر"، قائلا "هضبة زوزفانة التي تقع عليها تاغيت سُكنت منذ عصور بعيدة. القصور وآثارها تثبت ذلك في الحقبة الآجورية، ونظرا لعددهم الكبير سمي سكان الهضبة (قوم)، من هذا جاءت تسمية بني قومي الاسم الحالي للسكان".

القنادسة و"بركاشو"

مدينة القنادسة هي أشهر المناطق سياحيا على الإطلاق، بسبب قصرها البنّي المائل إلى الاحمرار، وهو مصنّف ضمن التراث الوطني.

أخذت القنادسة اسمها من رجل يدعى "القندوسي" وهو شخص مكلف بحراسة أمتعة القوافل في أزمنة غابرة عندما كانت المدينة "مرفأ بريّا" تجاريا مهما في الصحراء، وتضم القنادسة أيضا زاوية الشيخ سيدي امحمد بن بوزيان وزواية الحاج أحمد ذات النمط العمراني الإسلامي، وفيها خزانة من المخطوطات النادرة في الفقه وأصول الدين.

ويُقام في "تاغيت" مهرجان سنوي يسمّى "بركاشو"، وهو مناسبة محلية لتوطيد العلاقات وفك النزاعات والخلافات بين أبناء المنطقة.

كتب عن تاغيت المؤرخ الفرنسي مارمول كربخال في مؤلّفه "إفريقيا"، واصفا إياها بـ"بني كومي" (بني قومي)، نسبة للقوم الذين كانوا يسكنونها، فقال "بني كومي منطقة شاسعة بين المناطق القاحلة التي تتميز بها صحراء نوميديا، تنتج كميات هامة من التمر.. توجد بها ثمانية قصور وخمس عشرة قرية".

روعة المعمار

يقول الباحث الفرنسي في التاريخ بول لاغات "بنيت جدران قصور تاغيت من الطوب المتهدم، وقد شيدت القصور على هضبة صخرية تنحدر عموديا نحو وادي زوسفانة وتتجمع فيها في تشابك معقد، أما الدخول إلى قرية تاغيت فيتم عبر باب منخفضة تؤدي بالزائر إلى الغوص داخل شوارع ضيقة متشابكة بين المنازل، حيث تجدها تارة تصعد وتارة أخرى تنحدر لتغير فجأة الاتجاه حسب تقلبات الأرضية وبحسب ابتكارات المعماريين".

قصور "تاغيت" من الداخل
قصور "تاغيت" من الداخل

حرص المعماريون على مراعاة ظروف الطبيعة والطبيعة الاجتماعية للتاغيتيّين خلال هندستهم للمدينة، فبُنيت المنازل في قصور "تاغيت" بطريقة تسمح للشمس بالنفاذ إليها، فهي مغلقة نحو الخارج ومفتوحة نحو الداخل ومن الأعلى من أجل تمكين البيوت من الضوء والتهوية، وفيها بضعة فضاءات، منها الفضاء المخصص للنساء ويسمى بـ"التيزفري"، وهو ضروري لكل البيوت.

وفي ثنايا القصور شوارع ضيقة، بينما بُنيت نوافذ المنازل صغيرة وهي موجودة في أسقف البيوت لا على جنبات الجدران، وتسمّى النوافذ "عين الدار"، حيث تستخدم في تهوية البيوت.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG