رابط إمكانية الوصول

logo-print

إعصار فلوريدا والحقيقة المخفية 


إخلاء ناجين من إعصار إيرما في فلوريدا-أرشيف

بقلم عبدالحفيظ شرف/

كنت أحلم بالحرية والسلام وأن تعم الإنسانية هذا الكوكب الذي نعيش عليه فما كان إلا أن استيقظت من هذا الحلم الوردي الجميل على فتاوى ومقالات وآراء مخيفة ومرعبة وأقل ما يمكن أن توصف به هي أنها مشروع داعشي صغير مازال في بداياته الفكرية. فمثلا وجدت شيخا مشهورا يكتب على تويتر ويدعو الله سبحانه وتعالى بمزيد من الأعاصير والدمار لفلوريدا هذه الولاية الساحلية الجميلة، وآخر يعتبر أن هذا عقاب رباني سيأكل الأخضر واليابس، وآخر يكتب عن قناعة كاملة أن هذه "ولاية المثليين والعهر والفساد" لذلك أرسل الله لهم هذا الخسف العظيم والرياح العاتية لتقتلعهم من جذورهم لما نشروا من الفساد. وقد قرأت الكثير والكثير جدا من عبارات السعادة الممزوجة بالنكهة الدينية والشعور بالانتصار العظيم على أميركا، وهنا دار في عقلي سؤال بسيط جدا قد يخطر في ذهن أي طفل أو شاب يافع سليم الفطرة يقرأ مثل هذه العبارات وهو : لماذا كل هذا الكره والحقد المغروس في عقولنا نحن المسلمين تجاه الغرب وتجاه الغير المختلف عنا؟ وهذا السؤال قادني إلى سؤال آخر: وهو لماذا كل هذا النفاق؟ فأنا أقرأ لنفس هؤلاء المشايخ والشخصيات عبارات وشعارات الإنسانية وأن الدين الإسلامي هو دين المحبة والسلام والإنسانية، وهو كذلك لكن لماذا لا تنعكس حقيقة وجوهر الإسلام على هؤلاء المشايخ والدعاة والشخصيات المعتبرة؟ وما صدمني أكثر وأكثر هو انتشار هذا الفرح بمأساة إنسانية بين المجتمع والناس العاديين فأصبح الناس يتناقلون أخبار الموت والدمار بفرح شديد من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات المختلفة وكأنهم حققوا انتصارا عظيما على أميركا.

أعرف أن هناك فجوة إنسانية ضخمة جدا بين الشرق والغرب. ففي الشرق مع الأسف يطغى الكره والحقد واللا-إنسانية وشعور العداء على المجتمعات، بينما تطغى الإنسانية والمحبة والحضارة والرقي على المجتمعات الغربية. ولكن هل يبرر هذا مثل هذه التصرفات الغريبة التي لا تقبلها أي فطرة سليمة؟ هل يعقل أن يتمنى إنسان لغيره الدمار والموت بهذه الطريقة؟

عزيزتي القارئة وعزيزي القارئ الكريم أرجو أن تتفكر بكلامي هذا بعقلك وبفطرتك السليمة وأن تتنقل معي لنتخيل سويا ماذا لو كان العكس هو الحاصل، ولنرجع بآلة الزمن إلى الوراء قليلا عندما ضرب تسونامي أجزاء ودول إسلامية ومع ذلك رأينا التعاطف الغربي الكبير وإرسال المساعدات والطواقم الطبية، وأعدادا كبيرة جدا من المتطوعين تركوا بلادهم الجميلة وذهبوا لمساعدة المتضررين ولم نجد وقتها من يقول إن ما حصل للمسلمين هو عقاب رباني لنا، ولم نجد وقتها من يدعو على المسلمين ويسأل الله أن يزيد الدمار والموت، ولم نجد من يسأل الله أن يمسح تسونامي إندونيسيا وأن يقتل أكبر عدد من الناس البسطاء والمسالمين.

لماذا يعتبر العقل الجمعي المسلم أن ما يحصل من كوارث طبيعية على المسلمين هو "ابتلاء" من الله سبحانه وتعالى لأنه يحبهم؟ ثم إذا حصلت ذات المصيبة بطبيعتها وشكلها على غير المسلمين أصبحت "عقابا ربانيا رادعا لهم". لماذا لا نظهر إنسانيتنا في مثل هذه المواقف ونقوم بشكل عملي بتطبيق الشعارات التي دائما ما نرفعها بأننا شعوب تملؤنا الإنسانية والمحبة والسلام.

مازلت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي ليصادفني هذا الشيخ السعودي الجنسية، الذي كان يدعو الله سبحانه وتعالى أن يحمي المبتعثين السعوديين فقط في فلوريدا دون غيرهم، وكأن الإعصار سيفرق بين بيت مبتعث سعودي وجاره المواطن الأميركي البسيط الذي رحب به في أميركا. ولم تكن هنا النهاية، فقد وجدت شيخا آخر يناقش قضية هي في قمة الأولويات بالنسبة له ويبرر من خلالها سبب دعوته للمبتعثين فقط بأن يحميهم الله وليس لأهل فلوريدا، وهو أنه لا يجوز شرعا برأيه السقيم أن ندعو لغير المسلمين بأن يحميهم الله. وهنا أسبغ على اللا-إنسانية التي يعيشها هو وأمثاله لبوسا دينيا فشوه بذلك سمعته وسمعة بلده، وأضاف عليهما سمعة الدين الإسلامي الجميل. وهنا قررت أن أتوقف عن البحث أكثر وأكثر لأني سأصاب بإحباط شديد من حجم اللا - إنسانية المنتشرة في مجتمعاتنا مع الأسف الشديد.

هل تعلم أن أكبر الكوارث الطبيعية في العقود القليلة الماضية أصابت بلاد المسلمين مثل تسونامي عام 2004، والذي راح ضحيته مئتان وخمسون ألف إنسان، وزلزال باكستان عام 2005، وراح ضحيته سبعة وثمانون ألف إنسان. والحروب والمجاعات والتي قتلت ملايين المسلمين حصلت في بلادنا. هل لنا أن نكون إنسانيين ونبتعد عن التشفي والشماتة وأن نساعد ونكون مثالا يقتدى لإخوتنا في الإنسانية من الأديان الأخرى؟

وحتى لا يكون هذا المقال سلبيا فقد أعجبني ما قام به المسلمون في تكساس وفلوريدا (مسلمو الغرب) من فتح مساجدهم وبيوتهم لإخوتهم وأهلهم من جيرانهم المتضررين وجهزوا الأطباء والمسعفين. فهذا كان عملا إنسانيا راقيا أرفع له القبعة احتراما وتقديرا ولذلك أعتقد أن المشكلة ليست في الدين أو الاعتقاد، وإنما في البيئة والتعليم والتربية الإنسانية الضعيفة في مجتمعاتنا الشرقية. والمشكلة الأكبر هي في المشايخ والدعاة الذين شاركوا في سلب الإنسانية من عقول أبنائنا وشوهوا المجتمعات بمنهج تفكير متطرف لا يقبل الآخر ولا يعترف به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG