رابط إمكانية الوصول

logo-print

يثير المفكر المغربي والباحث في الإسلام، سعيد ناشيد، نقاشات كلما كتب مقالا أو تحدث في فيديو عن منظوره لما يعرف بـ"تجديد الخطاب الديني".

في هذه المقابلة، يتحدث هذا الباحث عن تصوره بشأن علاقة الإسلام بمواضيع الحريات الفردية وحقوق الأقليات ووضعية المرأة، كما يقدم تقييمه لتجربة الإسلام السياسي بالمنطقة ويتحدث عن العلمانية من داخل إمارة المؤمنين بالمغرب.

سعيد ناشيد
سعيد ناشيد

نص المقابلة:

هناك جدل مستمر حول علاقة الدين بالحرية، كيف يمكن للإسلام المعاصر أن يستوعب الحريات الفردية كما هي متعارف عليها دوليا؟

أولا، بالنسبة لمفهوم الإسلام المعاصر، لا يمكنني فهمه أو تحديد تعريف دقيق له، لكن يمكن القول، من خلال الإسلام كما ورثناه وكما نمارسه بشكل عام في معظم المؤسسات الدينية في المجتمعات الإسلامية، إننا ورثنا منظومة دينية قديمة تعود إلى القرون الوسطى، ولا تستطيع التجاوب مع العصر الآني والحداثة والديمقراطية.

الموروث الفقهي له موقف أشد قسوة وعنفا تجاه الأقليات

وبالتالي فهناك شرخ كبير بين المتخيل الديني للفرد وبين وعيه السياسي، أي عندما يفكر في مفاهيم الحريات فإن متخيله يقوده مباشرة لمفاهيم فقهية، وبالتالي فالموروث الديني يشكل عائقا اليوم ولا يتماشى مع مفهوم الدولة والمؤسسات والقانون.

أين يكمن الخلل في تعامل المجتمعات المغاربية ذات الأغلبية المسلمة مع الحريات الفردية؟ هل في الدين نفسه أم في طريقة فهمه؟

طبعا يجب أن نميز بين الدين والفكر الديني، فهذا الأخير هو الذي يمثل عائقا. لكن يجب أن نطرح السؤال أولا حول ما معنى الدين.

الدين، في رأيي، هو الوحي القرآني الذي انتهى بآية "اليوم أكملت لكم دينكم"، آنذاك اكتمل الدين، ولم يكن هناك لا موروث سني ولا فقهي.

لكن عندما نقارن مسألة الأقليات الدينية في الخطاب القرآني حاليا مع الخطاب السني، وأقصد به المدونات التي تُنسب إلى الرسول وكُتبت في مرحلة لاحقة، وأيضا مع الخطاب الفقهي، نجد أن هنالك تسامحا كبيرا في النص القرآني، وهناك مساواة في الانتماءات الدينية، لكن الموروث الفقهي له موقف أشد قسوة وعنفا تجاه الأقليات ويحاول إقصاءها.

لماذا في نظرك؟

لأن السياق الذي كُتب فيه الموروث الفقهي جاء بعد قرنين من الزمن بعد وفاة الرسول، وهي الفترة التي كانت تعرف توسعاتٍ إمبراطوريةٍ كثيرة، وبالتالي كانت تحتاج لسند ديني تدافع من خلاله عن مطالبها السياسية.

هل يمكن قولبة النص الديني لإيجاد إسلام يقبل بالحريات الفردية؟

ممكن جدا، المعركة مستمرة، ولدينا العديد من المؤشرات التي تدعم بناء نمط تدين عاقل ومتنور مع مقتضيات العصر، والسند في ذلك هو الخطاب القرآني نفسه، وليس الموروث الديني الذي يستند عليه المتطرفون.

أما السند الثاني فهو التراث الصوفي والذي أقصد به التصوف النظري، والاستناد عليه في صراع التنوير أساسي، لأنه حاول بناء علاقة الإنسان بالله والذات الإلهية على أساس العشق بدل الخوف.

في الفترة الأخيرة، كثر النقاش في بلدان بالمغرب الكبير عن قضايا لها ارتباط بعلاقة المرأة بالدين؛ مثلا الدعوة للمساواة في الإرث، وزواج المرأة برجل غير مسلم كما هو الشأن في تونس.. ما سبب استناد معارضين لهذه التوجهات على النص الديني للوقوف ضد هذه الحقوق الخاصة بالمرأة؟

هناك النص الديني والنص القرآني إضافة إلى المتن الحديثي ثم المتن الصحابي وما إلى ذلك من الكتب بحسب المذاهب... أي يمكن القول إن هناك دائرة غير محددة للنص الديني، حتى عندما يقصد البعض بالنص الديني النص القرآني.

سأعطيك مثالا لفهم هذه العقدة، هناك العديد من المجتمعات تعمل بمبدأ الرجم وتستند في ذلك على أنه كانت هناك آية قرآنية في زمن ما، نسخ لفظها وبقي معناها، أي أن النص الديني القرآني نفسه غير محدد.

وهذا النص يقول "للذكر مثل حظ الأنثيين" التي يجري الاستشهاد بها لرفض المساواة في الإرث.. كيف نفهم هذا النص الديني اليوم؟

علينا أن نتساءل: هل القرآن كتاب تشريعي؟.. أي أن كل أفعال الأمر الواردة فيه هي أحكام ملزمة لجميع المسلمين والمسلمات بصرف النظر عن الزمان والمكان؟

هذا التصور، في اعتقادي متهاو، ويمكن أن أستند على ذلك بوجود آيات تخاطب نساء الرسول وحدههن مثلا، وبالتالي فهو نطاق محدد، وهذه الآيات قد انتهى حكمها بعد وفاة آخر زوجات الرسول، وهذا ينطبق على آيات مختلفة مرتبطة مثلا بالهجرة والعبودية.

لكن هنالك فكرة تقول إن القرآن صالح لكل زمان ومكان.. هل تقصد بطرحك أن هذه الفكرة متجاوزة؟

صالح في كل زمان ومكان من ناحية أنه كتاب تعبدي يمكن أن يصلي به شخص في ماليزيا أو أندونيسيا أو أي شخص، سواء كان ناطقا أو غير ناطق بلسان عربي يفهمه أولا يفهمه، وهذه هي وظيفة القرآن.

الإسلام السياسي هو نوع من الخرافة الأيديولوجية للوصول إلى السلطة وامتلاكها

​الإشكال يقع حينما يرفع الإسلام السياسي شعار "القرآن دستورنا"، وهنا دخلنا في لحظة أدلجة الدين، وتسبب ذلك في خراب الفكر الديني، بعدما تم تحويل النص الديني من عقيدة إلى شريعة، وأقصد بالشريعة ما حاول بعض العلماء استنباطه من الآيات القرآنية وبعض الأحاديث من أجل قولبة نص من خلال نص آخر، ما جعلنا أمام فوضى الأحكام.

على ذكر الإسلام السياسي، ما تقييمك للتجاوب الحالي للمجتمع مع هذا التوجه؟

يمكن القول، ومن خلال التحولات التي عرفتها المنطقة، إن هنالك سعيا من طرف الشعوب لإدراك أن الإسلام السياسي هو نوع من الخرافة الأيديولوجية للوصول للسلطة وامتلاكها.

وفي آخر الأمر لم تتحقق الأهداف التي جاء من أجلها، وفي كل الدول. حتى أن من يتحمل مسؤولية تحويل ما سمي بالربيع العربي إلى فتن ودمار وحروب أهلية هو الإسلام السياسي.

المشكل أننا اليوم أمام شرخ دراماتيكي، خاصة لدى الشباب، وأصبحنا أمام شباب، إما غير متدين أو متطرف.

وكيف يمكن تطويق هذا الوضع في الشق المرتبط ببروز التطرف كما أوضحتَ؟

الأمر يتطلب إصلاحا دينيا جديا وجذريا، ولا أتكلم نظريا فقط، بل أشدد على الخطاب الديني وما يسمعه الناس باسم الدين.

ولعل خطبة الجمعة المليئة بالسب والشتم في حق الآخرين، دليل على ضرورة إصلاح الخطاب الديني لأنه لا يمكن أن نملأ الإنسان المؤمن بخطاب الكراهية.

سبق أن قلتَ إن "إسلاميي المغرب يروجون أن العلمانية ستقود إلى إلغاء إمارة المؤمنين وبالتالي فهي الخصم الذي يتهدد الملكية بالمغرب، وهذا مجرد هراء"، حسب تعبيرك، هل يمكن في نظرك أن نتحدث عن علمانية من داخل إمارة المؤمنين؟

الذين يروجون لكون العلمانية هي تهديد لإمارة المؤمنين، هم أنفسهم يتاجرون بإمارة المؤمنين، ويجب أن تكون الأمور واضحة.

العلمانية في البلدان الإسكندنافية مثلا لم تلغ نهائيا الانتماء الديني للملك ولا حتى لرئيس الوزراء في بعض الدول.

وبالتالي يمكن الحديث عن أساليب تنظيمية يمكن أن تنظم الحقل الديني بالمغرب، والأمر لا يتطلب بالضرورة نقل نماذج أخرى، بل يمكن أن نقدم نموذجنا، لكن جوهر النقاش الآن يجب أن يركز على التعليم أولا.

وهل يمكن الحديث عن علمانية من داخل إمارة المؤمنين إذن؟

نعم ممكن.. العلمانية تعني الحياد الديني والمذهبي للدولة، وحين نقول "أمير المؤمنين" فإننا لا نقول "أمير المسلمين"، بل أمير كل المؤمنين من كل الديانات، وهذا ما يجب أن نرقى إليه في وعينا.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG