رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

بيريز: العلمانية هي السبيل لتعايش اليهود والمسلمين مغاربيا


من الحج اليهودي إلى الربي عمران بنديوان بمدينة وزان بالمغرب - أرشيف

يتحدث الناشط السياسي التونسي جاكوب بيريز عن المعاناة التي تعرضت لها الطائفة اليهودية في تونس على مرّ السنوات السابقة، ويقول في هذا الحوار مع "أصوات مغاربية" إن مشروع التعايش بين اليهود والمسلمين المغاربيين لا يمكن أن يتحقق سوى في ظل نظام علماني ليبرالي.

نص الحوار

الناشط التونسي اليهودي جاكوب بيريز
الناشط التونسي اليهودي جاكوب بيريز

"حركة النهضة" قررت ترشيح تونسي يهودي في الانتخابات المحلية المقبلة، ماهي قراءتكم لهذه الخطوة؟

الفكرة في ظاهرها تبدو جيدة وعنوان جميل لثقافة التعايش التي يبحث عنها الجميع، فانطباعي المبدئي إيجابي إلى حد بعيد، لكن ذلك لا يمنعني، مثلي مثل أي يهودي في العالم أو حالم بمشروع التعايش بين مختلف الديانات والطوائف من التساؤل عن الخلفية الحقيقية لحركة النهضة وراء هذه الخطوة.

النهضة كما يعرف الجميع هي حركة دينية تتبنى مشروعا إسلاميا، وسبق للعديد من قيادييها أن عبروا عن مواقف متحفظة حيال مجموعة من القضايا الجوهرية، مثل الديمقراطية وحقوق المرأة وكذا العلمانية، وهذا ما يشكل مصدرا لتخوفي مما أقدمت عليه الحركة النهضة وهي ترشح تونسيا يهوديا بمدينة المونستير.

الناشط اليهودي جاكوب بيريز رفقة أفراد من عائلته في مدينة جربة التونسية
الناشط اليهودي جاكوب بيريز رفقة أفراد من عائلته في مدينة جربة التونسية

بصراحة أنا متخوف جدا من الخطاب المزدوج لحركة النهضة، ومتخوف أكثر أن تكون هذه الخطة محاولة لإخفاء سياسة معينة بخصوص المواقف الحقيقية لهذا التيار الديني من التعامل مع اليهود، أو مع أي تيار آخر يختلف معهم في الطرح والمشاريع الكبرى في إدارة مؤسسات الدولة.

عندما نتحدث عن النوايا الحسنة والصادقة لحزب النهضة، فلابد أن نكون جد متأكدين بأن موقف حركة النهضة من التعامل مع اليهود هو نفسه عند أتباعها وكل من ينتسب إليها في كل مناطق تونس، وأحيائها وقراها.

وهذا الموقف لا يخص اليهود وحدهم، بل أجزم أن العديد من التونسيين لديهم نفس الموقف، فهم لا يثقون في النوايا الحقيقية لهذه الأحزاب الدينية التي عادة ما تنقلب على مواقفها مباشرة بعد حصولها على السلطة، ولنا في تجربة تركيا وكيف انقلب أردوغان على العلمانيين مثال حي على ذلك.

هل نفهم أن سبب تخوفكم هو المرجعية الدينية لحركة النهضة؟

لا ليس ذلك، وأريد أن أشرح مسألة مهمة جدا بخصوص قضية حركة النهضة. هذا الحزب ليس قويا بالشكل الذي يسوق له البعض في تونس، هي قوية لأنها لم تجد أحزابا قادرة على منافستها.

المشهد السياسي التونسي أضحى خاليا من التيارات البديلة لحركة النهضة، صحيح توجد بعض الأحزاب التي تقول إنها علمانية أو ليبرالية، ولكن هي مجرد أقليات، وعادة ما تنقلب هي الأخرى على قناعاتها بمجرد وصولها إلى السلطة.

ما يخيف اليهود في تونس ليس حركة النهضة، ولا أي تيار سياسي آخر، لكن المشكل موجود في منظومة من القوانين والبنود الدستورية التي جعلت اليهود يعيشون على هامش الأحداث، رغم الخدمات الكبيرة التي قدموها لتونس دولة ومجتمعا.

أطفال يهود في مدينة جربة التونسية
أطفال يهود في مدينة جربة التونسية

تخيل مثلا كيف يشعر اليهودي وهو يسمع عن قوانين تقر بوجوب أن يكون رئيس الجمهورية من الديانة المسلمة فقط، دون الحديث عن قوانين أخرى تحرم اليهود من شغل مناصب سامية في الدولة، أو في المؤسسة العسكرية.

في اعتقادي هذا نوع من الإقصاء المبرمج ومحاولة لتغليب طائفة على أخرى، يكفي هنا التذكير بأن اليهود ظلوا يتواجدون في تونس منذ 3000 سنة، فهل يحق التنكر لهذه الحقيقة.

هل ترى أن اليهود يتعرضون للاضطهاد في تونس؟

وأنا أفكر في الإجابة على سؤالك، تذكرت حالي يوم كنت صغيرا وأدرس بالمؤسسات التعليمية التونسية، تخيل أنني كنت أضطر للنطق بشهادة المسلمين حتى لا أكشف عن هويتي الدينية، مثلي أيضا كان يفعل العديد من يهود تونس.

لقد تعرضنا لحملة تشويه بالغة من طرف إعلام منافق كذاب ظل طوال سنوات عديدة ينفث سمه وزيفه وينعت اليهود بشتى الأوصاف، حتى صار العديد منهم يتخفى، بل يخاف من كل شيء بسبب مواقف الحقد والكراهية لدى البعض تجاه اليهود.

هذه الحملات التي بقيت متواصلة أثرت حتى على بعض الرؤساء والمسؤولين الذين لم يتمكنوا من إرجاع حقوق اليهود، أو على الأقل السماح لهم بالعيش بكل حرية مثلهم مثل أية أقلية أخرى.

وهل حاول اليهود في تونس مواجهة هذه الحملة؟ وماذا فعلوا في سبيل ذلك؟

ماذا نطلب من أي يهودي عاش محتقرا لسنوات طويلة، ظل خلالها يخفي حتى هويته ودينه؟

الأمر ليس سهلا كما قد يخيل للبعض، خاصة في ظل وجود أنظمة ديكتاتورية شمولية لم يسلم منها حتى المسلمين، فما بالك باليهود.

عليك أن تعلم أيضا أنه في وقت مضى كان كل من يقترب من اليهود يواجه تهم الخيانة، أو العمل لصالح المشروع الصهيوني كما يقولون. هذه هي الحقيقة المؤسفة التي واجهتنا لسنوات طويلة.

ثم لا تنسى أمرا غاية في الأهمية، فاليهود ظلوا قبل الحرب العالمية الثانية، وخلالها وبعدها يعيشون التشرد والاضطهاد في العديد من دول العالم، بسبب سياسة النازيين، وكانت حالتهم النفسية وقتها تحت الصفر، فكيف نطلب منهم أن يواجهوا حملات التخوين التي تعرضوا إليها بعد ذلك.

ماهو الحل الأمثل لإحقاق تعايش حقيقي بين اليهود والمسلمين في تونس والبلدان المغاربية؟

وضعيات اليهود المغاربيين تختلف من بلد إلى آخر، حسب الأنظمة السياسية لهذه البلدان، ففي المغرب تبدو وضعيتهم أحسن من غيرهم.

لكن عموما أقول إن دول المغرب جربت مختلف الأنظمة السياسية مثل الاشتراكية، وحكم الإسلاميين وجميعها لم تغير منطق الأشياء، وبقيت دار لقمان على حالها، فهذه النماذج لم تقدم أي شيء لمشروع التعايش بين اليهود والمسلمين.

في نظري أن النظام العلماني الليبرالي هو وحده الكفيل بتحقيق هذا الحلم، إذ سيسمح للجميع بالعيش بكل حرية، دون أن ننسى الحديث عن ضرورة تغليب ثقافة الحوار، ونشر قيم التسامح التي تسمح بقبول الطرف الآخر مهما كانت ديانته، لونه، أو قناعاته.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG