رابط إمكانية الوصول

logo-print

قبل أن تندلع الثورة التونسية، لم يكن رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد سوى خبير في سياسات الزراعة لدى عدد من المنظمات الدولية وأستاذا في هذا المجال بجامعات فرنسا.

لم تعهد الساحة السياسية التونسية يوسف الشاهد قياديا في تحركات المعارضة ضد الاستبداد، ولا ذراعا لنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي فقد كان موظفا عاديا كغيره من آلاف الموظفين.

يتربع الشاهد الآن، بعد مرور سبع سنوات على الثورة، في قصر الحكومة بالقصبة كأصغر رئيس للحكومة في تاريخ تونس الحديث (42 عاما)، ما يطرح التساؤل عن كيفية وصول الرجل إلى هذا المنصب الرفيع في فترة وجيزة.

وريث عائلة حقوقية

تشير السيرة الذاتية ليوسف الشاهد إلى أنه يحمل خبرة عالية في مجال الهندسة الزراعية، فهو خريج للمعهد الوطني للعلوم الفلاحية (الزراعية) سنة 1998، قبل أن يحط به الرحال في باريس أين تحصل شهادة الدكتوراه في التخصص ذاته عام 2003.

هذه الرحلة الأكاديمية قادته إلى الالتحاق بعدد من المنظمات المهتمة بالشأن الزراعي على غرار منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة وأجهزة الاتحاد الأوروبي في هذا المجال، قبل أن يتفرغ للتعليم العالي بالمؤسسات الجامعية الفرنسية مثل "جامعة ران".

المسار الأكاديمي لرئيس الحكومة الحالي بعيد كل البعد عن التخصصات المهتمة بالشأن السياسي كالدبلوماسية والعلوم السياسية وغيرها.

ويقول المحلل السياسي محمد بوعود إن "المواقع السياسية في تونس لا تخضع عادة إلى التكوين في المجال السياسي ولنا في التاريخ أمثلة على ذلك فالوزير السابق في عهد بورقيبة كان رجل تعليم، فيما كان الباهي الأدغم فلاحا و ينحدر آخر وزير أول قبل الثورة محمد الغنوشي من مدارس الاقتصاد".

وبعيدا عن تكوينه الجامعي فإن لعائلة الشاهد، علاقات قديمة بعالم السياسية في تونس، إذ أن يوسف الشاهد سليل عائلة حقوقية لم تكن بمعزل عما يجري في البلاد من تطورات سياسية عقب الاستقلال.

ووجدت عائلة الشاهد نفسها منذ مراحل مبكرة من بناء الدولة الحديثة وسط حراك سياسي مكثف، إذ أن جدة يوسف الشاهد ليست إلا راضية الحداد النائبة البرلمانية السابقة ورئيسة الاتحاد التونسي للمرأة.

ومنذ بدايات تداول اسم الشاهد كرئيس للحكومة خلفا للحبيب الصيد، نشرت وسائل إعلام محلية ونشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي أخبارا تتعلق بوجود قرابة بينه وبين الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي الأمر الذي دفع رئيس الحكومة إلى نفيها وتكذيبها.

​ابن بطوطة السياسة التونسية

بالنظر إلى تعدد التجارب السياسية ليوسف الشاهد في فترة زمنية قصيرة تحول الرجل "رحالة"، ففي غضون 3 سنوات فقط أعلن الشاهد ولاءه لنحو 4 أحزاب سياسية أبرزها "حزب نداء تونس".

ويفسر المحلل السياسي، محمد بوعود، هذا الترحال المتواصل ليوسف الشاهد بين الأحزاب التونسية في "إطار بحث عن التموقع في ساحة سياسية أصبحت مفتوحة على مصراعيها أمام الشباب"، ويستطرد بوعود بالقول: "لكن الشاهد ينتمي إلى طبقة سياسية جديدة لا تؤمن بالنضال السياسي بل تعول أكثر على فرص الصدفة والوساطات".

وانطلقت مسيرة الشاهد السياسية عقب ثورة 14 يناير إذ انتقل بين عضوية عدد من الأحزاب الصغيرة من بينها "حزب طريق الوسط" قبل أن ينتقل إلى "القطب الديمقراطي الحداثي".

هذه التجارب في أحزاب صغرى دفعت الشاهد إلى البحث عن إعادة تموقع في الساحة السياسية التونسية، إذ حط رحاله في العام 2012 بالحزب الجمهوري بعد عملية اندماجه مع أحزاب أخرى.

والحزب الجمهوري هو الوريث الشرعي للحزب الديمقراطي التقدمي وهو حزب عريق ويعد من المؤسسات الحزبية القليلة التي قاومت الاستبداد في عهد بن علي من الداخل.

لم تعمر تجربة الشاهد طويلا في هذا الحزب إذ قفز من سفينته إلى حزب نداء تونس في العام 2013، وكان هذا الحزب حديث النشأة في ذلك الوقت.

من الوزارة إلى القصر

يعتبر التحاق يوسف الشاهد بحزب نداء تونس في العام 2013، بداية للمعان نجم الشاب الأربعيني في الساحة السياسية التونسية.

وعلى الرغم من أن الحزب شهد أزمة مريرة عصفت بكتلته البرلمانية وأحالته إلى "شقوق" وتفرع عنه حزب جديد بعد خروج مؤسسه الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي لتقلد منصب رئيس البلاد، فإن الشاهد استطاع التحكم في خيوط اللعبة إلى درجة كبيرة إذ نجح في الوقوف بـ"المنطقة الوسطى" بين الغريمين محسن مرزوق وحافظ قائد السبسي ولكليهما تيار يناصره داخل الحزب.

وسطية الشاهد أو حياديته على الأقل في ذلك الخلاف الكبير، أكسبه ثقة رئيس البلاد الذي كلفه بترؤس لجنة مهمتها فض النزاع وإنهاء المعارك بين "الإخوة الأعداء" داخل الحزب.

ويقول المحلل السياسي معز الباي، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن "يوسف الشاهد لم يكن في ذلك الوقت منحازا لأي طرف في معركة الشقوق داخل النداء ما أهله إلى لعب دور الوسيط لحل النزاع ضمن ما سمي بلجنة الـ13".

وبالتوازي مع ترؤسه لهذه اللجنة، تم تكليف الشاهد بشغل منصب كاتب دولة للزراعة في فبراير 2015 بحكومة الحبيب الصيد الأولى، قبل أن تتم ترقيته إلى منصب وزير للشؤون المحلية في يناير 2016 ضمن تحوير وزاري أقدم عليه رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد.

​انبرى الشاهد إلى منصبه الجديد بعيدا عن "فلاشات" وسائل الإعلام وما يرافقها من "ضجيج" الأمر الذي أثار "دهشة" الأوساط السياسية عندما طرح اسمه في وسائل الإعلام كبديل محتمل لرئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد، على اعتبار أنه "غير معروف على نطاق واسع وتعوزه الخبرة في إدارة الشأن العام".

ويرى الباي أن "التسريبات الإعلامية التي رافقت تنحية الصيد وطرحت اسم الشاهد كبديل لم تكن إلا بالونات اختبار لجس نبض الشارع التونسي حول الشخصية الجديدة".

وبالفعل منح البرلمان التونسي في أغسطس 2016 ثقته للشاهد ليصبح رئيسا للحكومة خلفا للصيد ويستمر في منصبه إلى غاية الآن، وقد أجرى تعديلا وزاريا واسعا في سبتمبر الماضي.

حرب على الفساد أم طموح للعب دور سياسي أكبر

لم يحظ تعيين الشاهد على رأس الحكومة التونسية بترحيب واسع من الطبقة السياسية التونسية، إذ رأى جزء من السياسيين أن تعيين الشاهد جاء رغبة من الرئيس السبسي في إيجاد شخصية سياسية لا يمكنها مخالفته الرأي ويمكن عبرها تنفيذ الأوامر الرئاسية بكل يسر على خلاف ما كان يجري في عهد الصيد.

ويعتبر الباي أن الرئيس السبسي "استقدم شخصية سياسية جديدة بهدف تنفيذ أجنداته حرفيا وقد وقع اختياره على الشاهد لسهولة توظيفه قبل أن تتوسع طموحات هذا الأخير".

وعلى الرغم من أن أداء الشاهد "لم يكن أفضل من أداء سلفه الحبيب الصيد بل إن إدارته للملفات عرفت فشلا على جميع الأصعدة" بحسب الباي، فقد استطاع الرجل كسب ثقة الشارع من خلال إطلاقه حربا على الفساد تم بمقتضاها اعتقال العشرات من المهربين ورجال الأعمال المتهمين بالضلوع في قضايا فساد.

وحظيت هذه الحملة باحترام خصوم الرجل قبل مؤيديه ونال من خلالها إشادة واسعة، إلا أن الانتقادات عادت لتحوم حولها وتمحورت أساسا حول سقوطها في الانتقائية، "ما فوت على الشاهد فرصة أن يكون زعيما" بحسب المحلل السياسي محمد بوعود.

من جهته يؤكد المحلل السياسي مختار الدبابي أن "هناك شكوكا في أن هذه الحرب تدخل في سياق تصفية حساب بين لوبيات مالية واقتصادية قوية تريد أن توظف الغطاء السياسي للتخلص من الخصوم"

وينزل محللون حملة الشاهد ضد الفساد ضمن أجندة سياسية للرجل تهدف إلى تمكينه من ترؤس البلاد في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

ويقول الباي في هذا الإطار إن حملة مقاومة الفساد "ليست إلا تعبيرا عن طموحات الشاهد السياسية في لعب دور أكبر في القادم من المحطات ومن بينها الترشح للانتخابات الرئاسية في 2019 بعد كسب تأييد الناخبين نتيجة لهذه الحرب".

من جانبه يرى الدبابي أنه "إذا كان الشاهد يفكر في الرئاسة مستقبلا، فإن الأمر سيكون صعبا إذا لم يكن مدعوما من السبسي والعائلات المحيطة به، والتي تؤثر في القرار السياسي".

وينفي قادة حزب نداء تونس باستمرار الاتهامات التي تلاحق الشاهد في حملته ضد الفساد، ويستبعد النائب عن نداء تونس، حسن العمري أن يدخل هذا الأمر "ضمن حملة انتخابية مبكرة".

ويقول العمري، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن يوسف الشاهد "جازف" بمستقبله السياسي عندما فتح ملف الحرب على الفساد، و"كان باستطاعته خوض حملة انتخابية مبكرة عن طريق إطلاق الوعود كما فعل أسلافه غير أنه اختار فتح هذا الملف الثقيل بهدف تخليص البلاد من هذه الشبكات الخطيرة".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG