رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

فضاء عبادة ومحكمة أيضا.. أسرار زاوية حاربها القذافي


مريدون للزاوية السنوسية بمدينة بنغازي الليبية (2011)

للزاوية السنوسية بمستغانم، غرب الجزائر، مكانة تاريخية خاصة، إذ كانت إلى جانب زوايا صوفية أخرى، مكان لتلقي العلم، على مر السنين التي عرفت فيها الجزائر الاستعمار الفرنسي ثم الاستقلال مطلع ستينيات القرن الماضي.

وتعتبر زاوية بن تكوك ببلدية بوقيرات جنوب ولاية مستغانم، امتدادا للزاوية السنوسية بليبيا، وهي تمثل اليوم أحد أهم ركائز التصوف بالجزائر وشمال أفريقيا.

الزاوية السنوسية بمستغانم (الجزائر)
الزاوية السنوسية بمستغانم (الجزائر)

تأسست الزاوية سنة 1859، على يد سيدي محمد الشارف بن تكوك، وهو سر تسميتها بزاوية بن تكوك، ومن أبرز تلامذتها، الشيخ سيدي حمو البوزيدي.

لم ينحصر صيتها على الحدود الجزائرية فحسب، بل كانت مركز إشعاع فكري وديني هام، خصوصا بعد انهيار وتراجع دور الزاوية السنوسية الأم خلال عهد العقيد معمر القذافي الذي مارس عليها رقابة محكمة، بل حاصرها إلى غاية الغلق النهائي.

ماحي: كانت الزاويا مجالس فصل موازية

"لم تركن الزاوية لدورها الدعوي فقط، لقد كانت تجابه التطرف أيام تصاعد العنف بالجزائر" يقول أستاذ التاريخ بجامعة غيليزان، ميلودي ماحي، قبل أن يردف: "وهذا سر احترام الجزائريين للزوايا عامة".

وخلال سرده لمسيرة الزاوية السنوسية، يكشف ميلودي ماحي معلومة مثيرة تتجلى في أن هذه الزاوية الصوفية لم تكن فضاء عبادة وعلم فقط، بل مارست دورا أقرب إلى دور المحكمة.

يقول الباحث في التاريخ: "أسست هذه الزاوية مجلسا يفصل في النزاعات بين المواطنين بصفة عامة والمريدين بصفة أخص".

وإذ يؤكد أهمية دورها التعليمي، يرى المتحدث ذاته أن دور هذه الزاوية في فض النزاعات، يؤكد "طابعها المجتمعي وانخراطها الكامل في شؤون الجزائريين".

"بتخصيصها ليوم لفض النزاعات أثبتت الزاوية دورها الاجتماعي، وهو ما شجع مواطنين على اللجوء إليها، عند وقوع أي إشكال"، يستطرد ميلودي الماحي.

ويتابع المتحدث نفسه كاشفا النقاب أكثر عن هذه المعلومة: "خصصت الزاوية يوما في الأسبوع، للفصل في النزاعات التي يرفعها مواطنون، والجدير بالذكر هو إلزامية قراراتها رغم طابعها العرفي".

وفي معرض حديثه، يوضح أستاذ التاريخ بجامعة غيليزان أن شيخ الزاوية هو بمثابة القاضي الأول، الذي تكون قراراته إلزامية، وتحترم مهما كانت قاسية.

لكن، هل يعني ذلك أن هذه الزاوية سطت على دور القضاء؟

جوابا عن هذا السؤال، يفضل ميلودي الماحي تسمية ما تقوم به الزاوية بـ"مجالس الفصل"، لأن الجزائريين لا يحتكمون إليها إلا في نطاق ضيق.

الزاوية السنوسية عادت للنشاط بعد رحيل القذافي
الزاوية السنوسية عادت للنشاط بعد رحيل القذافي

"محكمة عرفية اسم ينم عن محاكم موازية لتلك التابعة للقضاء، وهو أمر غير صحيح في حالة هذه الزاوية"، يؤكد المتحدث نفسه.

​آيت سوكي​: تراجع دور الزوايا بعد الاستقلال

من جانبه، يرى الباحث في التاريخ الثقافي الجزائري، محمد آكلي آيت سوكي، أن دور الزاوية السنوسية، التي كانت تؤدي مهمة محورية، حسبه، في تنظيم العلاقات بين المواطنين، عبر جلسات الاستماع التي تنظمها للتقرب من مشاكل المريدين والمواطنين بصفة أشمل، قد تراجع.

ورغم تأكيده على تراجع هذا الدور الذي كانت تضطلع به الزاوية السنوسية، إلا أنه يؤكد أهميته إبان الحقبة الاستعمارية.

"كان الجزائريون يحتكمون فعلا لمحاكم الزوايا لأنهم كانوا يرفضون الاحتكام لقوانين فرنسية"، يستطرد محمد آكلي آيت سوكي.

وفي حديث لـ"أصوات مغاربية، يؤكد آيت سوكي أن القوانين التي تعتمد بهذه المحاكم عبارة عن اجتهادات علماء الزاوية وشيوخها، إذ أن "شيخ الزاوية يحتل مكانة القاضي في المحاكم العادية".

وخلال شرحه لطريقة عمل هذه المحاكم، يكشف الباحث في التاريخ الثقافي الجزائري أن "قوانينها إلزامية، وهو ما يعني أنها ليست عرفية كما يؤكد البعض".

ويذكر المتحدث ذاته قائلا إنه لم تكن للقضاة قبل الاستعمار محاكم خاصة، بل كانوا يتخذون من الأسواق محاكم للفصل في القضايا الجنائية والإفتاء.

وبحسب المتخصص ذاته، فإن "السوق المحلي الأسبوعي، هو في الحقيقة، مقر المحكمة حيث ينظر الشيخ (القاضي) في المسائل التي تصله، أما الأسواق الجهوية، فهي بمثابة محاكم الاستئناف".

وفي سياق سرده، يوضح آيت سوكي أن دور تلك المحاكم تراجع بشكل ملحوظ بعد استقلال الجزائر سنة 1962، قائلا: "لم تعد الكثير من الزوايا تنظر في الأمور التنظيمية داخل المجتمع".

لقد صارت قرارات المحاكم النظامية إلزامية بنص الدستور، كما يشرح الباحث في التاريخ الثقافي الجزائري، الأمر الذي يجعل من المحاكم العرفية صورا لممارسات قديمة تتلاشى يوما بعد يوم، حسبه.

اقرأ أيضا: هل أنقذت الزوايا أمازيغ الجزائر من الوهابية؟

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG