رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

'باب تومة'.. يوم أنقذ الأمير عبد القادر 11 ألف مسيحي


الأمير عبد القادر الجزائري (1808-1883)

يُعتبر الأمير عبد القادر أشرس من قاوم فرنسا في الجزائر، إذ دامت ثورته 17 سنة كاملة، هزم فيها جنرالات وأرغم آخرين على توقيع اتفاقيات هدنة معه.

لكن الأمير لا يُعرف بمقاومته لفرنسا فقط، بل أيضا بواقعة ملفتة قام خلالها بحماية مسيحيّين في سورية من بطش بعض المسلمين.

في كنف التصوف

ولد الأمير عبد القادر بن مُحيِ الدين سنة 1808 في قرية القيطنة بنواحي وهران، غرب الجزائر. ودرس في زاوية والده، محي الدين الحسني، شيخ الطريقة الشاذلية الصوفية حينها، فحفظ القرآن وتفسيره والحديث والمتون.

سافر عبد القادر اليافع بعدها إلى وهران حيث تعلم التاريخ والفلسفة والرياضيات والأدب العربي وعلم الفلك والطب، على يد كبار علمائها.

كما تعلم استعمال السيف وركوب الخيل، وهو في سن صغيرة، وبذلك جمع بين العلم والفروسية، فكيف كان لهذه المجريات دور في صناعة شخصية شخصية الأمير؟

يصف المختص في تاريخ وفكر الأمير عبد القادر، محمد طيبي، شخصية الأمير عبد القادر بأنها "صوفية صافية، تلقت تعليمها في زاوية للعلم وحملت مشروع إصلاح الجزائر قبل الاستعمار".

ويضيف طيبي، في تصريحه لـ"أصوات مغاربية"، بأن فلسفة الأمير "لا تتفق مع الحرب، بل هو إنسان يحب السلام، فلقد قال لملك فرنسا وقتها: احتفظ بجيوشك وتعالوا لنتعاون في العلم والمدنيّة والأخوّة، وقال أيضا: لو أنصت لي المسلمون والمسيحيون لجعلت منهم إخوة ظاهرا وباطنا".

لائحة حماية الأسرى

عندما احتلت فرنسا الجزائر سنة 1830 كان الأمير عبد القادر قد بلغ الرابعة والعشرين من العمر، وكان سيدا في قومه بسبب علمه الغزير، لذلك قادمهم لاحقا في عمليات تحرير البلاد من الاستعمار.

"كانت أولى معارك الأمير ضد الجيش الفرنسي معركة وهران، تلتها معركة أولاد إبراهيم ثم الغزوات ثم تلمسان، ولم ينهزم أبدا"، يقول أستاذ التاريخ في جامعة وهران، محمد الأمين بلغيث لـ"أصوات مغاربية".

كان الأمير يخوض حرب الكر والفر لإضعاف العدوّ، وكان يقطع خطوط الإمداد عنهم ويأخذ أسلحتهم وأحصنتهم، كما أسر آلاف الجنود. بيد أنهم أظهر جانبا مميز في معاملة الأسرى، حسب الكتابات التاريخية التي رصدت تاريخه.

فقد استحدث الأمير عبد القادر لائحة خاصة بمعاملة الأسرى، تضمن لهم حسن التعامل وتوفر لهم الغذاء، بل وخصص لهم بعض المال. ويصف المختصون لائحة الأمير عبد القادر هاته بأنها وثيقة الأسرى التي سبقت معاهدة جنيف الدولية.

تمكن الأمير عبد القادر من هزم الجيوش الفرنسية، وأُجبرت فرنسا على توقيع اتفاقيات هدنة أشهرها "معاهدة دي ميشال" و"معاهدة التافنة".

وعن "معاهدة التافنة"، كتب المؤرخ الجزائر، يحي بوعزيز، في كتابه "الأمير عبد القادر.. رائد الكفاح الجزائري": "بتوالي انتصارات الأمير وجيشه الفتي، اضطر دي ميشيل الفرنسي، حاكم وهران، أن يعقد معه هدنة.. اعترف فيها بإمارته على كامل البلاد في مقابل إقراره لفرنسا بالسلطة على مدن: الجزائر ومستغانم ووهران وأرزيو".

فوز وهزيمة

استمرت انتصارات الأمير عبد القادر حتى العام 1839، حيث بدأ يفقد دعم شيوخ القبائل والزوايا الصوفية، التي كانت تمدّه بالمدد المادي والبشري.

وعن أسباب هزيمة الأمير يقول الباحث في تاريخ هذه الشخصية، محمد طيبي: "لقد خانه شيوخ القبائل والزوايا، الذين اخترقتهم فرنسا واشترت ولاءهم، ففقد الأمير الحضن الشعبي، وتوالت هزائمه العسكرية، وليس صحيحا ما يقال بشأن هزيمة الأمير، لقد تعرض للخيانة".

سلّم الأمير عبد القادر سلاحه سنة 1847 في مدينة الغزوات، غرب الجزائر، بعدما خاض 116 معركة واجه فيها 120 جنرالا وخمسة ملوك فرنسيين.

قبل الاستسلام، اتفق الأمير مع الملك الفرنسي لويس فيليب، على أن يهاجر نحو الإسكندرية في مصر، لكن الفرنسيين نكثوا الاتفاق واقتادوه أسيرا رفقة أسرته وحاشيته إلى فرنسا.

وجاء في كتاب يرصد هذه التفاصيل، لمؤلفه نزار أباظه: "اشترط الأمير سلامته وسلامة أسرته ووزرائه وضباطه، واتفق معهم أن يخرج إلى عكا أو الإسكندرية.. وخدع الفرنسيون الأمير، فلما كان في المركب الحربي، نقلوهم جميعا إلى طولون ثم أمبواز، حيث بقي فيها سجينا".

لم تنفّذ فرنسا وعدها للأمير إلا في سنة 1852، حيث توجّه ملكها نابليون الثالث بنفسه إلى الأمير عبد القادر ووعده بالاستجابة لرغبته الأولى المتمثلة في التوجه إلى الشرق وتحديدا إلى دمشق في سورية.

هنا سيبدأ فصل مثير من حياة هذه الشخصية الجزائرية؟

حماية المسيحيين

انتقل الأمير عبد القادر إلى دمشق مرفوقا بمن معه من العائلة والحاشية، وهناك كان على موعد مع قصة في التعايش والتسامح.

يقول الباحث محمد طيبي: "ضرب الأمير عبد القادر مثالا للإنسانية في التسامح بأخلاقه وأفعاله، عندما حمى آلاف المسيحيين (حوالي 11 ألفا) في منطقة باب تومة بدمشق من المسلمين الدروز، الذين أرادوا إبادتهم".

ويستطرد المتحدث ذاته راويا تفاصيل الواقعة: "آوى الأمير مئات المسيحيين سنة 1860 في بيته وفي بيوت معارفه وحاشيته، ووقف في وجه مسلمين متشدّدين، فنال احترام الغرب بهذا الصنيع، إذ حظي بإشادة من قادة أميركا وملوك فرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا".

من جهته، يقول الباحث في التاريخ، محمد الأمين بلغيث، إن "الأمير عمل بثوابته ومبادئه، التي تدعوه إلى حماية الأبرياء مهما كان دينهم".

"شخصيا أعتبره واحدا من مؤسسي القانون العالمي الإنساني، وواحدا من أصحاب فكرة المواطنة أوّلا قبل الدين وقبل العرق"، يردف المتحدث ذاته.

ويضيف بلغيث: "لقد كان الأمير مثالا للتسامح ومحاربة التعصب حتى لو كان هذا التعصب صادرا عن أبناء دينه".

وفي غمرة الحاضر الذي يشهد اعتداءات إرهابية وتنامي لنزعات التشدد، يستحضر الكاتب الصحافي الشهير، روبرت فيسك، واقعة الأمير عبد القادر مع المسيحيين، معلقا عليها بالقول: "لمعرفة المعنى الحقيقي للإسلام، يجب أن ننظر إلى الماضي لا إلى داعش".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG