رابط إمكانية الوصول

logo-print

بعد مضي 60 سنة، لا يزال الغموض يكتنف اغتيال أحد رموز الثورة الجزائرية عبان رمضان، وهي قضية ظلت تشغل الرأي العام.

ورغم توفر شهادات تاريخية لزعماء ثوريين تروي جوانب من حياته، إلا أن الكثير من تفاصيل حادث اغتياله بمدينة تطوان المغربية، ما زالت مليئة بالأسرار.

عقل الثورة

مقتل عبان لم يكن الحالة الفريدة في الثورة الجزائرية، فلقد جرت تصفية عدد كبير من كبار قادة الثورة في ظروف مبهمة، قبل وبعد الاستقلال.

بيد أن قضية عبان (1920 ـ 1957) أخذت حيزا كبيرا من الاهتمام، باعتبار الدور الكبير الذي لعبه أثناء الثورة التحريرية، ومساهمته في الحركة الوطنية.

كما كان له الفضل في تنظيم الثورة، عبر هندسته مؤتمر الصومام وتأسيسه الفعلي لجبهة التحرير الوطني، ودوره الفعال في ضم كل الأطياف الجزائرية آنذاك.

واستنادا لـمراجع تاريخية، فإن عبان أنقذ الثورة التحريرية، بعدما نجح في جمع "الوسطيين" و"الإصلاحيين" و"الشيوعيين" وجمعية العلماء المسلمين تحت لواء واحد.

إثم العقداء الخمس

ونظرا لقوة الرجل ومكانته، شكّل اغتياله هاجسا لمعظم المؤرخيين الجزائريين، وتلتقي أغلب الروايات في نقاط عديدة وتفترق في أخرى، مما يبقي حالة "السوسبانس".

ويخلُص المترجم أحسن خلاص إلى نتيجة مفادها أن اغتيال عبان يمثّل "غَلبة العسكري على السياسي وغلبة الخارج على الداخل، وغلبة منطق القوة على قوة المنطق وغلبة منطق العصب على منطق المؤسسات".

ويرى خلاص في حديثه لـ"أصوات مغاربية" أن عملية الاغتيال "تمت على مراحل، وفق منهجية، تم الإعداد لها من مؤتمر القاهرة في 27 غشت 1957 إلى يوم تصفيته جسديا في 27 ديسمبر من نفس السنة".

وعلى ضوء تجربته في دراسة مسائل الثورة التحريرية، يقول خلاص إن العقداء الخمسة (كريم بلقاسم، وعبد الحفيظ بوصوف، وأحمد بن طوبال، ومحمود الشريف وعمر أوعمران) قرروا عزل عبان سياسيا وحتى اجتماعيا.

ويضيف خلاص "اختلف العقداء بشأن مصير عبان، غير أنهم استسلموا في الأخير لإرادة كريم بلقاسم وعبد الحفيظ بوصوف بضرورة اغتياله، إذ اقتيد إلى المغرب بطريقة تضليلية، وهناك لقي حتفه". ​

جُرم الباءات الثلاث

وكان الدكتور بلعيد عبان، وهو ابن عم عبان رمضان، أصدر مؤلفا جديدا تحت عنوان "حقائق دون طابو.. اغيتال عبان، من وكيف ولماذا وماذا بعد؟"، يحكي فيه كيفية الاغتيال ويوجّه الاتهام لبعض الأسماء.

ويصف بلعيد عملية الاغتيال في كتابه بـ"المافياوية"، إذ جاء القرار من "بوصوف بمباركة كريم بلقاسم، وبتنفيذ محمد رواعي وجعفر لخنازن ومحمد عبدلي".

من جهته قال المهتم بتاريخ الحركة الوطنية الإعلامي، عمر لشموت، في اتصال بـ"أصوات مغاربية" إن "الباءات الثلاث؛ بلقاسم وبن طوبال و بوصوف، كانوا وراء اغيتال عبان، دون أن يعرضوه على المحاكمة، مثلما كان معمولا به".

ويعتمد لشموت في حديثه على رواية كريم بلقاسم و محمود شريف، فيذكر أنه بعد وصول عبان إلى المغرب "ساقته عناصر تابعة لجهاز المخابرات، الذي كان يشرف عليه بوصوف".

ويضيف لشموت "ماهي إلا لحظات حتى خرج عبد الحفيظ بوصوف من الغرفة التي اعتقل فيها عبان، في حالة هستيرية و جنونية، مخاطبا زملاءه: من القادم فيكم؟"، على حد رواية لشموت.

التنقيب يثير الحزازات

وبقدر ما يخوض بعض الباحثين عملية التنقيب في الملفات المتعلقة بتصفية زعماء الثورة، إلا أن البعض الآخر يفضل العزوف عن هذه القضية.

مثال ذلك، الباحث في التاريخ البروفيسور رابح لونيسي، الذي يعتبر النبش في مثل هذه الملفات "مثيرا للحزازات"، فيتحول التاريخ، وفق منظوره، إلى "ثقل سلبي على حاضر ومستقبل البلاد".

ويقول لونيسي، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن التضارب حول مقتل عبان "عادة ما يُحتكم فيه، للأسف، إلى العوامل الجهوية والأيديولوجية، بدل النقاش الموضوعي".

ويعلل لونيسي كلامه قائلا "أغلب القوى الديمقراطية تتعاطف مع عبان، بخاصة المثقفين، كونه عمل من أجل إعطائهم سلطة إدارة الثورة وبعدها إدارة الجزائر المستقلة، لأنه كان يريد دولة مبنية على أسس علمية".

وفي المقابل، يشير البروفيسور لونيسي، إلى وجود تيار الأحادية والشمولية، الذي "يتعاطف مع خصوم عبان، وعليه لا يمكن قراءة صراع عبان من خصومه إلا في إطار علاقة بين عدة ثنائيات، بينها علاقة المثقف بالسلطة وعلاقة المدينة بالريف وعلاقة العسكري بالسياسي"، على حد قوله.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG