رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

يوبا الثاني.. ملك أمازيغي 'صُنع' في قصر قيصر روما


منحوتة متخيلة للملك يوبا الثاني

انتقمت روما انتقاما مريرا من "يوبا الأول"، آخر ملوك نوميديا الذين قاوموها. وهو انتقام لم يكن لِيخطر على بال أحد.

فبعد هزيمة يوبا الأول على يد الجيش الروماني شرق مدينة بونة (عنابة اليوم بالجزائر)، ومقتله هناك، أمر القيصر الروماني يوليوس بجلب ابن يوبا الأوّل، يوبا الثاني، الذي لم يكن يتجاز من العمر 5 سنوات إلى روما، وهناك بدأت حكاية الانتقام المرير.

التربية داخل القصر

ولد الملك يوبا الثاني حوالي سنة 52 قبل الميلاد، وتوفي في السنة 23 ميلادية، وهو نجل يوبا الأوّل.

بعد هزيمة يوبا الأول أمام القوات الرومانية، أُسر يوبا الثاني وطلب الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر بنقله إلى روما، وهناك احتضنه في القصر، فتربى تربية رومانية كاملة، وبعد وفاة يوليوس قيصر احتضنه خليفته الإمبراطور أغسطس، فعلمه الفنون والآداب والعلوم وشؤون الحكم في مدارس روما وأثينا ومعاهدهما.

جرت عملية فصل يوبا الثاني عن أصوله النوميدية الأمازيغية على مرّ السنين، فتشبّع بثقافة رومانية، وصار معروفا بالعلم والآداب وإتقانه عدة لغات، فضلا عن التبحر في الفلسفة والهندسة ومختلف العلوم.

وفي هذا الصدد، يقول أستاذ التاريخ القديم في جامعة باتنة بالجزائر، جمال مسرحي، في تصريح لـ"أصوات مغاربية": "أخذه قيصر وهو صغير، بعد أن قضى على أبيه يوبا الأول المتحالف مع بومبيوس خصم قيصر في الحرب الأهلية الرومانية سنة 46 ق.م".

"ولما قضى يوليوس قيصر على كليوباترا في مصر أيضا، أخذ ابنتها الصغيرة، وربتها أخته أوكتافيا في القصر الإمبراطوري، لقد نشأ يوبا الثاني وسيليني ابنة كليوباترا معا في قصور روما"، يضيف مسرحي

موالاة روما

اشتدّ عود يوبا الثاني وبات صاحب معرفة بإدارة شؤون الحكم، ونظرا للتربية الرومانية التي تلقّاها، والتي كان أساسها الإخلاص لروما، عيّنه القيصر أوكتافيوس حاكما لموريتانيا القيصرية، ودامت فترة حكم يوبا الثاني خمسين سنة كانت كلها في ظل الحماية الرومانية.

يقول جمال مسرحي عن هذه التجربة: "تربى يوبا الثاني وابنة كليوباترا تربية لاتينية، ولما كبرا زوّجهما الرومان من بعض، ثم اقتطع الإمبراطور أوكتافيوس أغسطس جزءا من المملكة الموريتانية، ووضع على رأسها يوبا الثاني وزوجته كليوباترا سِيليني، وسمى هذه المقاطعة موريتانيا القيصرية، نسبة إلى قيصر، وعاصمتها شرشال (وسط الجزائر)".

وفي السياق نفسه، يقول الباحث جميل حمداوي، في كتابه "يوبا الثاني: الملك الأمازيغي المثقف"، متحدثا عن موالاة هذا الملك الأمازيغي الأصل لروما: "كانت موريتانيا كلها خاضعة للوصاية الرومانية على يد يوبا الثاني بداية من سنة 25 قبل الميلاد".

ويعني هذا أن يوبا الثاني، الذي تربى في العاصمة الرومانية، كان حليفا لروما وتابعا وفيا لها، لذلك سمحوا له بإدارة مملكتي موريتانيا الطنجية وموريتانيا القيصرية".

من جهته، وانطلاقا من هذه التفاصيل، يخلص أستاذ التاريخ القديم، جمال مسرحي، إلى الاستنتاج بأن يوبا الثاني كان "رومانيا أكثر منه نوميديا".

فرضية الانتقام

كان يوبا الثاني ضحية شجاعة والده يوبا الأول، الذي حارب روما وحاول توحيد نوميديا. ولم يكن هذا الهدف غريبا عن يوبا الأول، إذ إنه كان بدوره حفيد الملك الأمازيغي يوغرطة، الذي حارب روما وعرضها للبيع وصاحب مقولة "أفريقيا للأفارقة".

حلم يوبا الأول بتوحيد شمال أفريقيا تحت راية نوميديا الكبرى، وفي ذلك الوقت، أي في سنة 48 قبل الميلاد، كانت روما تغرق في حرب أهلية بسبب الصراع على الحكم بين القائدين الرومانيين الكبيرين يوليوس قيصر وبومبيوس.

ولأن يوبا الأول كان على علم بأن يوليوس استعماري الفكر ويطمع في تقسيم نوميديا، اختار دعم خصمه بومبيوس، لكن الأخير فشل وهُزم، وكان لهذا الحدث تداعياته على حكم يوبا الأول.

هاجم يوليوس قيصر نوميديا بجنود الجرارة وهزم يوبا الأوّل، الذي قُتل خلال مبارزة بينه وبين قائد روماني، بعدما رفض أن يُقتاد أسيرا إلى روما ليلاقي نفس مصير أجداده السابقين الذين قارعوا روما، وعندما فشلت روما في اقتياده قررت أن تنتقم منه عبر ابنه يوبا الثاني.

ملك.. عالم ومثقّف

تتفق جميع الروايات والمصادر التاريخية على أن الملك يوبا الثاني، ورغم تبعيّته المطلقة لروما، كان عالما ومثقفا من الطراز الأول، وفي عصره ازدهرت مملكته.

في كتابه "يوبا الثاني: الملك الأمازيغي المثقف" كتب جميل حمداوي: "أنشأ يوبا الثاني عاصمتين "شرشال" و"وليلي"، بحكم ديمقراطي نيابي تمثيلي، إذ طالب بتكوين مجلس بلدي ينتخب أعضاؤه من المواطنين الأحرار، ويتولى المجلس تسيير أمور المدينة".

ويضيف حمداوي: "يعتبر يوبا الثاني، إلى يومنا هذا، من كبار العلماء والمثقفين الأمازيغ الذين عُرفوا عند اليونان والرومان واللاتين بسعة المعرفة والتبحر الموسوعي. ألف كثيرا من الكتب والبحوث والمصنفات في التاريخ والجغرافيا والرحلات الطبيعية والفنون والآداب والعلوم الاستكشافية".

ويقول عنه المؤرخ الفرنسي، شارل أندري جوليان، في موسوعته "تاريخ شمال أفريقيا"، إن يوبا الثاني "كان يحسن اليونانية واللاتينية والبونيقية، وكان آخذا من كل شيء بطرف، فلم يبق علم واحد غريبا عنه، وكان بإمكانه أن يكتب في كل موضوع بفضل مكتبه الثرية ونُسّاخه الذين لا يعرفون التعب".

ويستطرد جوليان: "غير أن تآليفه لم تبق بعده، ولعل من المؤسف أن يكون كتاب 'ليبيكا' قد ضاع، إذ ربما وجدنا في كتاباته عرضا لبعض المعلومات عن التقاليد المحلية".

بعد وفاته، دُفن يوبا الثاني في المدفن الملكي المورياني مع زوجته كليوباترا سليني بمدينة تيبازة (غرب الجزائر العاصمة).

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG