رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

بقلم رياض عصمت/

من هو عدو الشعب؟ هناك في كل العصور أعداء كثر للشعوب، بعضهم واضح للعيان، وبعضهم مقنع بأقنعة القداسة والطهر والوطنية. لكن مسرحية "عدو الشعب" للمؤلف النرويجي هنريك إبسن - الذي أطلق عليه اسم "أبو المسرح العالمي الحديث" ـ تعالج قضية مختلفة تدور أحداثها في بلدة نرويجية يحلم قاطنوها بالثراء من السياحة بسبب اكتشاف ينبوع مياه صحية فيها.

سرعان ما تطرح المسرحية أسئلة أخلاقية عندما يكتشف بطلها الدكتور ستوكمان أن مياه ذلك الينبوع ملوثة بجراثيم مؤذية لصحة الإنسان: هل عدو الشعب حقا هو من يعلن حقيقة كون تلك المياه مؤذية للصحة بحيث تعتبره الغالبية مدمرا لمصالحها المادية؟ أيعقل أن يصبح الشخص الذي يتحدى جهل الجماهير بالعلم، ويواجهها بالحقيقة الدامغة ولو على حساب رزقه ومصالح عائلته عدوا الشعب حقا؟ هل يتوجب على الطبيب، صاحب الضمير النزيه، أن يسكت أمام إصرار الأغلبية على جني المكاسب من الينبوع، متجاهلين سوء تصريف المعامل المجاورة للنفايات السامة، والضرر الذي تسببه المياه للبشر؟

عرض مسرحية إبسن "عدو الشعب" انتصارا يضاف إلى السجل الحافل لمسرح "غودمان"

تبدو مسرحية هنريك إبسن "عدو الشعب" (1882) من خلال عرض مسرح "غودمان" الشهير في شيكاغو، والذي أعده وأخرجه مدير الفرقة الفني روبرت فولز، مسرحية ذات مضمون خالد، وفي الوقت نفسه تصلح مشكلتها الأخلاقية المطروحة لزماننا المعاصر.

مضى قرابة 150 سنة على تأليف "عدو الشعب" وما زالت نضرة، مؤثرة، بحيث تمس صلب حياتنا. كم من الحقائق الصادمة، يا ترى، تخفى عن إدراك الناس بسبب جشع بعض شركات الأدوية أو الأغذية المعلبة التي لا تراعي الآثار الجانبية المضرة لمنتجاتها التي تسوق بإعلانات براقة؟ وإلى أي حد يقدم بعض أصحاب الاستثمارات على غض النظر عن مخاطر محتملة لمنتجعاتهم من أجل تحقيق الربح المادي؟

ألف إبسن (1828 ـ 1906) كما كبيرا من المسرحيات، تراوح بين الشعرية والواقعية الطبيعية والرمزية الشاعرية. كان نمط المسرح الواقعي الذي أبدعه في القرن التاسع عشر مختلفا تمام الاختلاف عن المسرح الإغريقي والشكسبيري، بحيث أن جورج برنارد شو ألف كتابا بعنوان "جوهر الإبسنية"، فضله فيه حتى عن شكسبير.

انتقل إبسن من المسرح الشعري كما في "بيرجنت" و"براند" إلى كتابة مسرحيات تصور شرائح من حياة البشر العاديين، فكتب "بيت الدمية" في عام 1879 لتثير ضجة هائلة في المجتمعات الأوربية، بحيث تظاهر الرجال في كوبنهاغن ضد هجر بطلتها نورا لبيت الزوجية بعد أن شعرت أن زوجها يعاملها كدمية، حتى قيل إن "صفقة نورا لباب بيتها هزت أوروبا".

رد إبسن بعناد على الهجوم بتأليف مسرحية تالية هي "الأشباح" (1881)، التي صور فيها صبر زوجة على انحلال زوجها الأخلاقي والعيش مهادنة لفسقه وفجوره، فإذا بابنهما بعد رحيل أبيه يحمل جرثومة مرض السيفلس ويجعل حياتها جحيما لا يطاق.

سرعان ما واجه إبسن نقدا أعتى من الأول من عموم الناس، لكنه لم يحجم عن مناكفة منتقديه، فكتب رائعته "عدو الشعب" (1882) معلنا للناس أن من ينطق بالحقيقة إنما هو بطل يدافع عن القيم النبيلة ويقف كفرد في طليعة المجتمع في مواجهة الأغلبية الساحقة الحريصة على مصالحها المادية، حتى ولو اعتبر من قبلها خائنا وعدوا للشعب.

يا لها من فكرة درامية عميقة وبالغة الدلالة في زماننا الذي هيمنت فيه عقلية القطيع، وسيقت غالبية الجماهير تحت تأثير ماكينة الإعلام إلى تصديق دعايات أصحاب النفوذ والمصالح، واتخاذ موقف النقمة والإدانة والتشهير تجاه الأفراد القلائل الذين يمثلون طليعة الشعب ويواجهونه بالحقيقة الجارحة.

جدير بالذكر، إن هنريك إبسن اختار الهجرة من موطنه وعمره 36 عاما ليقيم في إيطاليا، ثم ألمانيا، مدة 27 عاما، كتب خلالها كثيرا من روائعه، ونادرا ما زار خلالها النروج، رغم أن أعماله ظلت تقدم في الدول الاسكندنافية. نذكر من أبرز إنجازات مرحلته الأخيرة: "البطة البرية"، "هيدا غابلر"، "آل روزمر"، "امرأة البحر"، "البناء الأعظم" وأخيرا "حين نصحو نحن الأموات"، وهي تطرح أسئلة وجودية بالغة الأهمية والدلالة في كل عصر ومكان.

تدور "عدو الشعب" حول اكتشاف الطبيب توماس ستوكمان، الذي عينه أخوه عمدة البلدة مشرفا صحيا على ينبوع المياه الصحية التي تستقطب الناس من مختلف أرجاء البلاد للاستشفاء، أن تلك المياه ملوثة ببكتريا مؤذية للبشر. يعتقد ستوكمان أنه بمجرد إعلانه حقيقة اكتشافه للناس حول تلوث مياه ينبوعهم سينال الاحترام والتقدير. لكنه بمجرد أن يحاول نشر تقريره العلمي، يفاجأ بأنه ألَب على نفسه أخاه العمدة ومحرري الصحيفة التقدمية وعمه والد زوجته الذي يمتلك مصنعا يصرف نفاياته لتلوث تلك المياه وأهالي البلدة. هكذا، يحاول الجميع منع ستوكمان من إشهار الحقيقة، لأن ذلك سيؤثر على ازدهار السياحة ويهدد مصالحهم.

مضى قرابة 150 سنة على تأليف "عدو الشعب" وما زالت نضرة، مؤثرة، بحيث تمس صلب حياتنا

يبدأ الاضطهاد والقمع من منع نشر تقريره في الصحيفة المحلية، إلى تسريح شقيقه العمدة له من وظيفته كمشرف صحي على النبع، إلى تهديد والد زوجته الحامل بالحرمان من حصتها من مصنعه عبر شرائه أسهما في الينبوع، وصولا إلى تحطيم أثاث بيته وتهديد أمنه الشخصي، لأنه اعتبر بالإجماع عدوا للشعب.

يخلص ستوكمان إلى القول: "ليست مياه الينبوع مسممة فقط، بل أرواحنا مسممة أيضا" كما يخلص إلى أن "من يقف وحيدا هو الذي على حق، وأن أغلبية الناس جاهلة". تقف زوجة ستوكمان وابنته الشابة إلى جانبه في حين ينبذه المجتمع ويعتبره خائنا، لكن الطبيب الشجاع يقرر الاستمرار في رسالته بأن ينشر الحقيقة في كل مكان يستطيع الوصول إليه مهما كانت النتائج. تنتهي المسرحية بذلك نهاية مفتوحة، خارجة عن إطار التراجيديا والكوميديا معا، لتفتح باب المسرح الواقعي واسعا على مصراعيه.

أعد المخرج المخضرم روبرت فولز مسرحية إبسن بأمانة عامدا إلى تكثيف حواراتها دون أن يفقدها روعتها. صمم الديكور الحديث المصمم الأميركي العالمي تود رونثال. لكن اللافت للنظر هو نجاح عمل المخرج مع الممثلين ـ وهو الذي سبق أن أخرج في عام 2005 مسرحية إبسن "بيت الدمية" بإعداد جعل فيه أحداثها تدور في حديقة لينكولن في شيكاغو ـ إذ حرص المخرج على الأداء الواقعي المقنع، وحسن تقمص الشخصيات من قبل الممثلين كافة.

كما حرص على توزيع الأدوار بشكل غير تقليدي، فأسند دور ستوكمان إلى الممثل القدير ذي الملامح الاسكندنافية فيليب إيرل جونسون، بينما أسند دور زوجته إلى الممثلة السوداء لانيس أنطوان سيلي، وابنته إلى الممثلة الشقراء الشابة ربيكا هورد، كما تضمن بقية الطاقم ممثلين ملونين من أعراق مختلفة، تألق بينهم بحضور قوي الممثل القدير سكوت جاك في دور العمدة.

عمد ربورت فولز إلى حشد ممثلين وممثلات في مشهد الاجتماع الذي دعا إليه ستوكمان لإعلان اكتشافه العلمي، واختار بجرأة أن يجلسهم في مقدمة المسرح وظهورهم نحو الجمهور، بينما جعل ستوكمان وبعض الآخرين يعتلون منصة عالية في عمق المسرح، أو التجول أحيانا بين الجالسين في مقدمة المسرح، الذين كثيرا ما تمت الاستعاضة عنهم في عروض أخرى بالجمهور الفعلي الجالس في الصالة، أو اللجوء إلى حلول أخرى فريدة كما فعل الممثل السينمائي المعروف مايكل شانون حين أخرج في شيكاغو اقتباسا لمسرحية "عدو الشعب" ألفه الكاتب برت نوفو بعنوان "خائن"، إذ نقل الجمهور إلى خارج المسرح الصغير ليدخله إلى قاعة اجتماعات مجاورة في الشارع، وغير نهاية المسرحية فجعل الطفل يولد ميتا بما يوحيه ذلك من دلالة رمزية.

يبقى عرض مسرحية إبسن "عدو الشعب" انتصارا يضاف إلى السجل الحافل لمسرح "غودمان"، الذي اعتبرته مجلة "تايم" مؤخرا أفضل مسرح إقليمي أميركي على الإطلاق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG