رابط إمكانية الوصول

logo-print

بقلم عبد الحفيظ شرف/

تزامنت مقابلة رئيس النظام السوري بشار الأسد التلفزيونية الأخيرة مع الطلب الروسي ـ الإسرائيلي والذي يتوافق مع الرغبة الأميركية بخروج القوات الإيرانية من سورية. نفى الأسد وجود قوات عسكرية إيرانية في سورية، وحصر التواجد الإيراني بعدد من الضباط الذين يقدمون الاستشارات والمساعدة لجيش الأسد.

موقف الأسد هذا، يذكر بأسلوبه في التعامل مع الأزمات. تعود على إنكار وجودها في البداية ثم يتدرج اعترافه بأنها أزمة حاصلة؛ وهو تماما الأسلوب الذي اعتمده منذ بداية الحراك الشعبي السوري عام 2011.

يتعامل الأسد مع العالم وشعبه وفق منطق "اكذب، اكذب ثم صدق كذبتك". وكأن دول العالم لا تملك أجهزة استخبارات تعرف حقيقة ما يجري على الأرض السورية، أو وسائل الإعلام لا تنقل الوقائع بانتظار تصريحات الأسد.

اعتبر الكثيرون موقف الأسد من "قسد" زلة سياسية استراتيجية

السؤال الذي يطرح نفسه، ليس حول وجود أو عدم وجود قوات إيرانية في سورية. فهذا التواجد مثبت، والقوات الإيرانية بنت قواعد لها في عدد من المطارات العسكرية ونصبت العديد من الدفاعات الجوية ومنصات إطلاق الصواريخ. السؤال المهم هو: هل يستطيع بشار الأسد أن يتخلص من الإيرانيين في سورية؟

لا أعتقد أن لدى الأسد القدرة الفعلية على طرد الإيرانيين، وذلك لأسباب عدة؛ أولها أن الإيرانيين لا يثقون ببشار الأسد بالكامل، فهم يعتمدون على عدد من كبار الضباط في الاستخبارات والجيش للحصول على المعلومات وكذلك للتحكم بالأرض. يحيط هؤلاء الضباط بالأسد، وقد قام الإيرانيون بتغيير المواقع بين ضباط الجيش وعزل البعض وترقية آخرين دون الرجوع إلى الأسد.

السبب الثاني هو الولاء المطلق للميليشيات العراقية والأفغانية وحزب الله اللبناني للإيرانيين وللولي الفقيه الذي يمثل المرجعية السياسية والدينية والمالية لكل هؤلاء مجتمعين، وهذه الميليشيات تشكل قوة داعمة لا يستهان بها بالنسبة لنظام الأسد.

أما السبب الثالث فهو يتمثل بالقوة الشرائية الإيرانية والتي انتشرت في الفترة الأخيرة في دمشق وفي عدد من المدن السورية الأخرى. فقد بدأت إيران تشتري الكثير من العقارات بل أن بعضا من مباني ومؤسسات الدولة أصبحت مرهونة للإيرانيين بمقابل الدعم المادي الذي قدموه للنظام.

في المقابلة التلفزيونية عينها، طالب الأسد القوات الأميركية المتواجدة على الأرض السورية بالرحيل وقال وبشكل صريح إن مشكلته الوحيدة حاليا هي مع "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) المدعومة أميركيا والتي تسيطر على أجزاء كبيرة من البلاد بعد أن حررتها من تنظيم "داعش". وهدد الأسد باستخدام القوة العسكرية إذا لم تسلم "قسد" تلك المناطق لنظامه عبر التفاوض السلمي.

لا أعتقد أن لدى الأسد القدرة الفعلية على طرد الإيرانيين

واعتبر الكثيرون تصريح الأسد هذا زلة سياسية استراتيجية. فهو تجاهل تماما خطر الإرهاب المتمثل بـ"داعش" و"النصرة" والذي دائما ما تذرع به هو وحليفه الروسي ووضع نفسه دائما في خانة محاربة الإرهاب.

وعبر هذا التصريح، وضع الأسد نفسه في مواجهة مباشرة مع أميركا، وهنا يكمن الخطأ الاستراتيجي الثاني الذي ارتكبه. ووصل الأمر به لاعتبار "جبهة النصرة" ورقة أميركية، وهذا اتهام للولايات المتحدة بأنها تدعم الإرهاب.

هذا وقد وصف بشار الأسد الكثير من معارضيه في الداخل السوري ودول الإقليم والغرب بأنهم دمى في يد الولايات المتحدة، ونسي أو تناسى أنه هو نفسه أصبح دمية في يد إيران وروسيا! يتحدث الأسد عن السيادة الوطنية وبلده أصبح ساحة صراع كبرى وعلى أرضه تتواجد قوات روسية وإيرانية وتركية وميليشيات من أصقاع الأرض.

تناقضات كثيرة يكررها الأسد في كل مقابلة تلفزيونية أو لقاء صحافي يجريه. لكنه كان أذكى في تمويهها وتزييفها وقد فشل في اللقاء الأخير في فعل ذلك. ولذلك أعتقد أن هذا اللقاء هو أحد أسوأ اللقاءات التلفزيونية للأسد والذي قد يترتب عليه الكثير من المواقف السياسية.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG