رابط إمكانية الوصول

logo-print

الرأسمالية: شبح ماركس! (8)


الطائر على الشمال: فلتسقط الرأسمالية/ الطائر على اليمين: هل يمكننا الذهاب قريبا لتناول البرغر وشرب القهوة؟

بقلم جمال أبو الحسن/

قد يبدو اسم "كارل ماركس"، الذي تحل هذه الأيام الذكرى الـ200 لميلاده، غريبا في سلسلة عن الرأسمالية، ذلك أنه كان واحدا من أشد منتقديها. غير أن حقيقة الأمر أن أغلب ما سطره ماركس من كتابات كان عن الرأسمالية وطريقة عملها وآثارها المختلفة على بنية المجتمع، اقتصادا وسياسة وثقافة. بل إنه لم يكتب تقريبا شيئا واضحا عن شكل المنظومة التي يتصورها بديلا عن النظام الرأسمالي. بهذا المعنى، فإن ماركس يظل حاضرا في أي نقاش جاد يتناول الرأسمالية، في الفكرة والتطبيق.

من نافل القول إن الكثير من أفكار ماركس لم يصمد أمام اختبار التاريخ. هو توقع أن الرأسمالية ستنهار تحت وطأة تناقضاتها الداخلية، وها هي تنتشر وتترسخ وتحوز أرضا جديدة كل يوم. هو تصور عالما يعيش فيه العمال حالة من الظلم المطلق وفي أوضاع أشبه بالعبودية، والحاصل أن الفقر المدقع تراجع، وأن مستوى معيشة العمال ظل يتحسن باستمرار، حتى أنهم صاروا يتمتعون برفاهية لم يحلم بها الملوك في العصور الغابرة (التلفزيون والهاتف الذكي مثلا!). وأخيرا، فقد تنبأ ماركس بالثورة القادمة على النظام الرأسمالي. وقد وقعت الثورات بالفعل، ولكن في آخر مكان تصوره ماركس: روسيا والصين، اللتين كانتا تعيشان على اقتصاد زراعي إقطاعي في مجمله، ولم تدلفا بعد إلى عصر التصنيع!

هذه التنبؤات الخائبة تعكس عطبا جوهريا في البنيان الفكري الماركسي. على الأقل هي تنفي عنه صفة "العلمية" التي نسبها البعض إليها. كما تخلع عنه هالة "الحتمية" التي ظلت لصيقة به.

لا بديل عن إصلاح النظام الرأسمالي لكي يبقى شبح ماركس بعيدا

على أن أخطر الضربات التي تلقاها ماركس جاءت من "الماركسية" ذاتها. عندما تحولت بعض من أفكار ماركس إلى أيدولوجيات سياسية ونظم حكم في القرن العشرين كشفت عن خلل قاتل، بل وعن كوارث مروعة صاحبت تطبيقاتها على أرض الواقع. الملايين الذين قضوا في المزارع الجماعية والمنافي والمجاعات وحملات التطهير في روسيا والصين صبغوا الماركسية بلون أحمر قان. أحالوها مرادفا للوحشية والجنون. ظهر واضحا أن الثمن الإنساني لتطبيق أفكار هذا الفيلسوف الألماني أفدح من أي تصور. وأن اليوتوبيا التي تخيلها هي الجحيم عينه، ولا سبيل إليها إلا عبر أنهار من الدماء.

الأهم من هذا كله أن هذه النظم التي قامت تحت عنوان الماركسية فشلت بصورة مروعة في تحقيق الرفاهية لمواطنيها. عندما سقطت تحت وطأة فشلها وخيباتها، انهار معها صرح الفكر الماركسي، وبدى أن هذا الرجل الذي حلم يوما بتغيير العالم قد صار تاريخا لا يرغب أحد في تذكره.

والحال أن ماركسية القرن العشرين قد ولت غير مأسوف عليها. ولكن ماركس نفسه لم يغادرنا. ذلك أن أفكاره في وصف طبيعة النظام الرأسمالي لا زالت تنطوي على قدر كبير من الألمعية والعمق. وليس من قبيل المبالغة أن نقر أن الغالبية الكاسحة من النقد الذي يوجه إلى يومنا هذا للرأسمالية يمكن رده للفكر الماركسي بصورة أو بأخرى. ما قال به ماركس ببساطة هو أن الرأسمالية نظام غير عادل، وأن عيوبه ونقاط ضعفه جزء لا يتجزأ من تكوينه وبنيانه، وبالتالي لا سبيل للخروج من الفخ الذي يمثله إلا بهدمه.. أي أن نهايته تعد صيرورة تاريخية محتومة.

جوهر الفكر الماركسي أن المنظومة الرأسمالية تقوم على الربح، والربح ليس سوى ضرب من ضروب الاستغلال؛ استغلال أصحاب العمل الذين يملكون أدوات الإنتاج للعمال الذين لا يملكون سوى أن يبيعوا عملهم. من أجل تحقيق الربح، يحتاج أصحاب العمل باستمرار إلى الإبقاء على الأجور منخفضة. يساعدهم على ذلك جيش من العاطلين الراغبين في العمل، والذين يمكنون الطبقة الرأسمالية من فرض الأجور المنخفضة. المعضلة هنا أن تراجع الأجور عن حد معين يصيب المنظومة الرأسمالية كلها بالكساد لأنها ستنتج سلعا لا يستطيع أحد شراءها.

هذا التحليل ليس بالبساطة التي يبدو عليها. العلاقة بين أصحاب العمل (البرجوازيين) والعمال (البروليتاريا) لا زالت تشكل بالفعل جوهر التوترات القائمة في النظام الرأسمالي. كثيرا ما استعاد الناس هذا التحليل بإعجاب وانبهار عند كل منعطف واجهت فيه الرأسمالية أزمة أو كسادا، وما أكثر هذه المنعطفات! على أن هذا الخط في التفكير اصطدم بحقيقة لم يتنبأ بها ماركس، وهي القدرة الهائلة للنظام الرأسمالي على التكيف وإصلاح ذاته.

الكثير من أبناء الطبقات الوسطى غاضبون ولكن قلما يتحدث أحد عن بديل حقيقي أو جاد للنظام الرأسمالي

الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية شهدت صعودا مطردا لدولة الرفاهة بكل ما حملته من تأمين للوظائف وتوسع في شبكة الضمان الاجتماعي والحقوق النقابية للعمال.. هذا جرى في العالم الرأسمالي لا الشيوعي. ثمانينيات القرن الماضي، في المقابل، شهدت عودة للرأسمالية الكلاسيكية على يد تاتشر وريغان، وابتعادا عن اقتصادات الرفاهة التي أضرت بحيوية السوق. منذ التسعينيات دخل العالم إلى حقبة العولمة (التي تنبأ ماركس أيضا بأن الرأسمالية لا بد أن تقود إليها.. "إذ أنها تعشش في كل مكان، وتستوطن في كل ركن، وتبني شبكات باستمرار"). هنا يمكن القول إن شبح "ماركس" بدأ يطل من جديد.

الرأسمالية اليوم في أزمة مركبة. بعض مما تصوره ماركس عن جيش العاطلين الذين يدفعون الأجور للانخفاض تحقق في اقتصادات الغرب المتقدمة بسبب العولمة. منافسة العمالة القادمة الرخيصة القادمة من كل مكان في العالم أفضت إلى ثبات في الأجور لسنوات ـ بل وعقود ـ في بعض الاقتصاديات الرأسمالية الكبرى. ردة الفعل الثورية التي تخيلها ماركس، تحدث اليوم بصورة شعبوية لا تخفى تجلياتها على ضفتي الأطلسي. الكثير من أبناء الطبقات الوسطى غاضبون ولكن قلما يتحدث أحد عن بديل حقيقي أو جاد للنظام الرأسمالي.

عبقرية النظام الرأسمالي الحقيقية تكمن في أنه يمثل صفقة رابحة للجميع، وإن بدرجات متفاوتة. أصحاب المشروعات من الرأسماليين يربحون أكثر بالطبع، ولكن الآخرين أحوالهم تتحسن أيضا، بما في ذلك هؤلاء الذين يصعدون السلم من هوة الفقر المدقع. الإصلاح جانب مهم من قصة تطور الرأسمالية. شتان بين رأسمالية القرن التاسع عشر التي رصد "فريدريك أنجلز" وماركس مآسيها وجرائمها في مصانع بريطانيا، وبين رأسمالية اليوم.

بقاء النظام الرأسمالي وازدهاره مرهون بشرط جوهري: أن يظل صفقة رابحة للجميع. أن يكون للأغلبية العظمى مصلحة في استمراره لا هدمه. لا بديل عن الإصلاح لكي يبقى شبح ماركس بعيدا!

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG