رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

مكوسن.. الملك النّوميدي صاحب النهضة ومُحبّ العلماء


وجه الملك مكوسن على قطعة نقدية

بعد وفاة ملك نوميديا وموحّدها ماسينيسا بن قايا، تنازع أبناؤه الثلاثة مُلكَه، وهم: ميسيبسا (المسمّى مكّوسن أيضا) ومستنبعل وغولوسن، وهنا وجدت روما الفرصة مناسبة لمراقبة "المملكة المتمرّدة" عن كثب، فتدخّلت ووزّعت السلطة بينهم.

كانت السلطة الإدارية من نصيب مكّوسن، واهتمّ مستنبعل بالشؤون القضائية، أما غولوسن فكانت له الشؤون العسكرية.

وراثة مملكة تابعة

بقيت الجيوش الرومانية تحاصر قرطاجة ونوميديا، وأعلنت بعد تقسيم السلطة على الأبناء الثلاثة، تبعية مملكة نوميديا لها، بعدما ظلت متمرّدة على روما طيلة فترة حكم ماسينيسا.

حكَم مكوسن نوميديا بين 118 و148 ق. م، ولا تشير المصادر التاريخية إلى تفاصيل كبيرة في حياة هذا الملك قبل بداية حكمه، سوى أنه تربّى في كنف والده ماسينيسا وتتلمذ على يديه في أمور الحكم والسياسة، وفق ما يذكر المؤرّخ الفرنسي شارل أندري جوليان في كتابه "تاريخ شمال افريقيا".

ماسينيسا
ماسينيسا

يذكر الجغرافي الإغريقي سترابون بأن مكوسن "كان يولي أهمية كبيرة للعلماء والمثقفين، فكان يجالسهم، وغالبا ما يقضي أوقات فراغه في دراسة الفلسفة".

ومكوسن هو "النطق الحقيقي لاسمه باللغة الليبية- الأمازيغية، وهو اسم شهرة يحمل دلالة العظمة والرّياسة، حسب "دليل الثقافة البربرية" للباحث في اللسانيات محند أكلي حدادو، أما في الكتابات اللاتينية فورد اسمه كما يلي: مكيبسا (Micipsa) وفي اللغة الفرنسية ميسبسا.​

وبحسب مقال للباحث في التاريخ تيغرمين المجيد فقد "استطاع الملك ماسنسن أن يوحد بلاد المغرب القديم (تامزغا) ابتداء من سنة 203 ق.م، وامتدت مملكة تامزغا الموحدة من خليج السرت الصغرى في ليبيا إلى نهر مولوشا على حدود مملكة المور (نهر ملوية حاليا بين الجزائر والمغرب الأقصى) وإلى رفاف الصحراء (بلاد الجيتول) جنوبا".

التفرّد بالحكم.. والنهضة

وجد مكوسن نفسه يحكم نوميديا وحده بعد سنوات قليلة من وفاة والده، إذ توفّي أخواه غولوسن ومستنبعل، في "ظروف غامضة"، غير أن المؤرّخ الشهير سالوست يرجّح أنهما توفيا بالمرض.

باتت كل السلطات الإدارية والعسكرية والقضائية بيد مكوسن، فاختار أن ينأى بمملكته عن الحروب وتفرّغ لبنائها وإعمارها ونهضتها، وطبع علاقاته مع روما وجيرانه في قرطاجة بالسلام.

يقول الجغرافي الإغريقي سترابون "ابتعد مكوسن عن سياسة والده التوسعية وواصل سياسة تطوير دولته والاعتناء بعاصمته سيرتا، حيث زاد في تجميلها وتحصينها، فكانت قبلة العلماء والفنانين والفلاسفة الإغريق واللاّتين".

على الصعيد الاقتصادي، اهتم مكوسن بتنمية الفلاحة والتجارة وتشييد القرى الزراعية وتكوين ضيعات ذات مدخول وافر، وظهرت مدن هامة كباجة (Vaga) وثوقا (Thugga) وقفصا (Gafsa) بمواردها الاقتصادية والمالية، وكانت باجا أهم سوق في المملكة بفضل أراضيها الخصبة، وفق المؤرخ سالوست.

كما سكّ العملة باسمه وباسم والده ماسينيسا لتنظيم المبادلات التجارية، التي ربطته ببلاد الإغريق وجزر البحر المتوسط.

نهاية 'العهد البرّاق'

"إنّ ثلاثين سنة من السلم جعلت من عهد مكوسن أكثر عهود المملكة نفعا، إن لم تكن أكثرها بريقا"، هكذا وصف المؤرّخ غابرييل كامبس فترة حكم مكوسن، في كتابه "أصول بلاد البربر".

عندما اقترب أجل الملك مكوسن، استدعى حاشيته وابنيه والأمير يوغرثن (يوغرطة)، وألقى على مسامعهم خطابا مطولا سجله المؤرّخ سالوست، وكان بمثابة وصية ملكية أعلن فيها تبنّيه الأمير يوغرطة، فقال "يا يوغرثن، لقد كنت صبيا بلا أب ولا مال ولا ثروة عندما دعوتك لأن تكون وريث تاج العرش، وهذا يبرهن على محبتي إيّاك مثل ولدي".

توفي الملك سنة 118 ق.م في سن متقدّمة، بعد حكم دام ثلاثين سنة وأقيم له حفل جنائزي يليق بقائد أمة، يردف سالوست.

بعد وفاة مكوسن، اجتمع الأمراء الثلاثة وهم: هيمصال وأذربعل ابنا مكوسن، ويوغرطة ابن عمّهم، وجرى الاجتماع في العاصمة سيرتا (مدينة قسنطينة في الجزائر حاليا)، لتدارُس تسيير المملكة لكنهم لم يتفقوا فاقتسموا مناطق الحكم، لكن يوغرطة خشي على مستقبل المملكة منهما، فقضى على هيمصال بينما فرّ وأذربعل إلى روما، وهكذا أصبحت مملكة نوميديا في يد يوغرطة وتمرّد على روما، فأعلنت حربا عليه دامت سبع سنوات انتهت بمقتله بطريقة بشعة على يديها.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG