رابط إمكانية الوصول

logo-print

ينادوننا 'الكحلوش'.. صرخة أفارقة بالجزائر: ألسنا بشرا!


ديينا كوام أحد المهاجرين الأفارقين في مخيم وادي "جورجي'

قلق، خوف، وتردد.. تعابير امتزجت على وجه إسماعيل القادم من دولة مالي. قطع آلاف الكيلومترات ليستقر في وادي "جورجي" بمدينة مغنية غرب الجزائر، على مسافة قصيرة من الحدود مع المغرب. هو الآن بمثابة زعيم للمهاجرين المستقرين في مخيم بهذا الوادي.

يقول إسماعيل إن مصالح الأمن الجزائري تعتقل المهاجرين هذا اليوم، لذلك هو قلق من جلسة مع صحافي في هذا الظرف الذي قد يجد فيه نفسه مرميا قرب مدينة تمنراست أقصى الجنوب الجزائري، كما يقول.

بدا، من تعليماته وأوامره التي يوجهها للمهاجرين القادمين من الكاميرون وبوركينافاسو والنيجر وبلدان أفريقية أخرى، صارما ومُطاعا، فالوضع بحاجة إلى انضباط ما دام يتعلق بمستقبل مئات الفارين من جحيم الحروب والفقر والجماعات المتشدّدة.

مهاجرون أفارقة من جنسيات مختلفة يقيمون بهذا المخيم العشوائي
مهاجرون أفارقة من جنسيات مختلفة يقيمون بهذا المخيم العشوائي

مغنية.. عاصمة المهاجرين

ترتبط مدينة مغنية ارتباطا وثيقا بالحدود، فهي تكاد تكون عاصمتها. أكبر شارع فيها يسمى شارع وجدة، وهي مسقط رأس الرئيس الأول للجزائر المستقلة أحمد بن بلة، كما أنها استقبلت في نهاية الثمانينات الملكين السعودي والمغربي فهد بن عبد العزيز والحسن الثاني في قمة جمعتهما مع الرئيس السابق الشاذلي بن جديد.

مدينة مغنية، هي أيضا ملاذ المهاجرين السريين القادمين من مختلف البلدان الأفريقية، الذين اتخذوا من واديها الشهير "جورجي" ملجأ لهم.

لا يخلو شارع أو طريق من مهاجرين أفارقة، مثلما لا تخلو مزرعة أو ورشة بناء خاصة من وجود مهاجرين يشتغلون بعيدا عن الأعين. المدينة ترحب بالجميع أو على الأقل هذا ما كُتب في لافتة معلقة بمدخلها الرئيسي.

مدخل مدينة مغنية
مدخل مدينة مغنية

مخيم من ورق

يفضل الأفارقة المهاجرون في هذه البلدة أن يكون مخيمهم من ورق مقوى "كارتون"، حتى لا يثير انتباه السلطات. يتجنبون نصب الخيام، حتى لا تهدمها الشرطة، ويظلون مختبئين بين الشجيرات.

مخيم المهاجرين عبارة عن خيام من 'الكرتون'
مخيم المهاجرين عبارة عن خيام من 'الكرتون'

السلطات في الجزائر تتجنب ترحيل آلاف الأفارقة الذين قدموا من مختلف دول القارة لاعتبارات سياسية، لكن ذلك لا يحول دون تعرضهم لمضايقات يقولون إنها عنصرية. "ينعتوننا بالقرود، يعيروننا بأسماء 'الكحلوش' أو 'نيكرو'"، يقول إسماعيل.

الحياة في المخيم خطرة كما يوضح الكاميروني آبا، البالغ من العمر 36 سنة، قائلا: "آخر مرة وضع أحد الرفاق شمعة بالقرب من 'كرتونة' اشتعل المخيم بأكمله" فتحول إلى رماد.

يناهز عدد المهاجرين في هذا المخيم ألف شخص من شتى الجنسيات، ومع اقتراب الشتاء ينخفض إلى 200 مهاجر، فيما تقوم بعض الجمعيات الخيرية، أو الهلال الأحمر الجزائري، بمساعدتهم من حين لآخر بأفرشة وأغطية لتجاوز محنتهم، بعدما علقوا بين الجزائر والمغرب.

إريك.. في انتظار العبور

قدم من قرية كاميرونية هاربا من جحيم الفقر والوضع غير المستقر في بلده، كما يؤكد. اسمه إريك؛ شاب قطع آلاف الكيلومترات مشيا على الأقدام.

دخل مدينة تمنراست جنوب الجزائر، ثم سار قرب الطريق الصحراوي متحملا العطش والجوع، ومخاطر الترحيل رفقة زملاء له، إلى أن تمكن من الوصول إلى مدينة مغنية غرب الجزائر.

"كي تعبر من الجزائر إلى المغرب عبر منطقة مرسى بن مهيدي، عليك دفع مبلغ مالي يتراوح ما بين 100 و150 أورو، حتى تصل إلى منطقة اسمها السعيدية في المغرب، لكن لا أحد يضمن مصيرك بعد ذلك"، يحكي إريك لـ"أصوات مغاربية"، مستطردا: "من الصعب جمع هذا المبلغ الكبير بالنسبة لنا، عليك أن تعمل، وأن تبذل جهدا خارقا للحصول على 100 أورو، وإن عبرت إلى المغرب وهي عملية صعبة بسبب حفر الخنادق وإقامة السياج، قد تعاد إلى الجزائر، بعد توقيفك من طرف الأمن المغربي".

إريك
إريك

"أحلم بالعيش في أوروبا، أتمنى أن أحقق هذه الأمنية، وضعي هنا لا يطاق، لكنه أحسن من حالتي في بلدي، رغم أنني أفترش 'الكرتون'. ونادرا ما أتحصل على وجبة الطعام، غير أنني أتحمل هذا الوضع، على أمل أن أجد فرصة التسلل إلى أوروبا"، يضيف إيريك وهو يتحسس قبعته.

آبا.. رحلة عمرها 15 سنة

"الوضع سيء بالنسبة لنا في بلدان شمال أفريقيا. كنت في مصر، ثم في ليبيا قبل الثورة على القذافي، ودخلت تونس بعدها، ثم الجزائر التي عبرت من حدودها إلى المغرب قبل أن يعيدونا"، هكذا يستهل آبا، البالغ من العمر 36 سنة، حكاية رحلته من بلده بوكينافاسو إلى الجزائر.

يستغرق في رواية تفاصيل قصة هجرته من النيجر إلى الجزائر مرورا بنجيريا، وكيف نجا من الموت في ليبيا. وفي الحدود بين الجزائر والمغرب، ومنذ 2003، بدأ مغامرة الهجرة دون أن يصل إلى أوروبا.

آبا
آبا

​عندما بدأ آبا يحكي قصة هجرته من بلده بوركينافاسو إلى الجزائر، بدا التوتر على ملامحه. يقول: "إن تونس هي البلد الأقل عنصرية تجاهنا في شمال أفريقيا، ضربونا في ليبيا والجزائر والمغرب. كنت من بين الذين أعادوهم من تارودانت، الداخلة وأكادير ومدن مغربية أخرى، ألقوا بنا على الحدود الجنوبية".

ويضيف آبا مسترجعا: "في ليبيا كانوا يرمون الصحون التي نأكل فيها بالمطاعم، وفي الجزائر ينادوننا بـ'الكحالش' و'نيكرو'... لماذا يرفضون إدماجنا في المجتمع الجزائري؟ نحن أيضا لنا مؤهلات وحرف يدوية، فلماذا يرفضنا المجتمع الجزائري؟".

يقول آبا إن حياتهم في هذا المخيم صعبة. الوادي هنا يعج بالبعوض وزواحف خطيرة وثعابين.

زعيم المهاجرين

الجميع هنا في المخيم يعرف إسماعيل، فهو الزعيم الفعلي للأفارقة المقيمين في مدينة مغنية. يسعى إلى وجود المهاجرين في مكان واحد، ويحثهم على التضامن فيما بينهم.

إسماعيل.. المهاجر المالي الذي سيسهر على تنظيم المخيم
إسماعيل.. المهاجر المالي الذي سيسهر على تنظيم المخيم

كان إسماعيل جد غاضب وهو يشرح ما يحدث له ولرفاقه في الجزائر. لا يرى فرقا بين وضعهم هنا أو في أي بلد عربي آخر.

"أنظروا إلى السوريين، هل هناك لاجئ أو مهاجر سوري يعيش في وادٍ ويفترش 'الكرتون'؟ لماذا تساعد الجمعيات في الجزائر 'الروهينغا' في آسيا ولا تساعد الأفارقة من ضحايا 'بوكو حرام' في بلدانهم؟ كيف نسمي هذا؟ ألا يقولون إن الأفارقة أشقاؤنا؟"، يتحدث إسماعيل بنبرة غضب.

صامويل.. عقد في الوادي

قصص عدة يمكن أن تسمعها من هؤلاء المهاجرين. بينها قصة صامويل، شاب كاميروني هاجر إلى منطقة الساحل، قبل أن يجد نفسه في الجزائر.

التحق صامويل بقوافل الزاحفين إلى مغنية، واستقر بها آملا أن يجد منفذا للتسلل نحو المغرب أو إسبانيا، لكن رحلة البحث عن المنفذ، التي بدأت سنة 2007، أقفلت عقدها الأول، دون بلوغ الهدف.

صامويل
صامويل

"قضيت كل هذه السنوات في مخيم لا علاقة له بالقرن الذي نعيشه الآن" يقول صامويل، مضيفا: "المعاملة تفاضلية بين السوريين والأفارقة المهاجرين، الذين يرفض المجتمع إدماجهم والتعامل معهم بطريقة إنسانية".


المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG