رابط إمكانية الوصول

logo-print

بقلم منصور الحاج

قبل أيام حكت لي صديقة من البرازيل قصة من ذكريات طفولتها فقالت إنها بينما كانت تسير برفقة جدتها في يوم من الأيام قدمت لها إحدى السيدات فاكهة، إلا أنها اعتذرت بشدة ورفضت أخذ الفاكهة. وبختها جدتها لرفضها قبول الفاكهة واعتبرت تصرفها خاطئا. اعترضت صديقتي على التوبيخ وردت على جدتها قائلة: أنا في حيرة من أمري ولم أعد أفهم ما تريدون مني فعله، ففي المنزل تحثونني على عدم التحدث إلى الغرباء وألا أقبل منهم شيئا وعندما أفعل ذلك توبخونني.

هذه القصة تلخص إلى حد ما المشكلة التي تسببها التعاليم الدينية المتناقضة للكثير من المسلمين الذين يتحولون إلى كائنات متناقضة لكنهم - على عكس الصديقة البرازيلية - لا يرون في هذا التناقض أي إشكال. والمشكلة في اعتقادي ترجع إلى عدة عوامل أبرزها الخوف من مخالفة الأوامر الربانية أو مجرد الاعتراض عليها أو القول بعدم صلاحية تطبيقها في هذا الزمان أو من حتى تبني آراء فقهية وتفسيرات تجديدية للنص الديني والتراث الإسلامي.

والحل في اعتقادي يكمن في تحكيم العقل والتعامل مع النصوص المتناقضة بانتقائية وبمنطق الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، لسبب بسيط هو أن الإيمان بكل الكتاب سيدخلنا في دوامة التناقض. تناقض من قبيل أن نحاول التوفيق مثلا بين الآيات التي تحرم القتل كلية كآية سورة المائدة التي تقول: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا" وبين آية "اقتلوهم حيث ثقفتموهم" أو حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله".

فتعالوا نؤمن بالآيات التي تحرم الإكراه في الدين والتي تعطي البشر الحق في اختيار طريق الإيمان أو طريق الكفر، ولنكفر بالتراث الذي يرى وجوب قتل من بدل دينه أو اختار عدم اعتناق أي دين. تعالوا نؤمن بالإسلام دينا يكرم المرأة وينصفها وهذا يتطلب أن نكفر بالضرورة بالآيات التي تعطي الزوج الحق في ضرب زوجته وبآيات الميراث التي لا تساوي بين الذكر والإنثى وبآيات الشهادة التي ترى أن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد.

تعالوا نكفر بالآيات التي تصف مسيحيي ويهود هذا العصر بالمغضوب عليهم والضالين، لنكفر بالآيات التي تكفر من قالوا إن الله ثالث ثلاثة، لنكفر بآيات الجلد والقطع والصلب، لنكفر بأحاديث الرجم والرمي من شاهق ونؤمن بآيات التدبر في الأنفس والآفاق والتفكر والسير في الأرض.

تعالوا نكفر بآيات الحاكمية والأحاديث التي تقول بأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ونؤمن بالأحاديث التي ترى أننا أدرى بشؤون دنيانا في اختيار الشرائع التي تتناسب مع عصرنا. تعالوا نكفر بأحاديث إرضاع الكبير ونكاح الصغيرات والعداء الأبدي مع اليهود ووجوب طاعة ولي الأمر وإن ضرب ظهورنا وأخذ أموالنا ونؤمن بالأحاديث التي تقول بأن أعظم الجهاد كلمة حق في وجه إمام ظالم. تعالوا نؤمن بالأحاديث التي تعرَف المسلم بأنه من يسلم الناس من لسانه ويده مهما كان معتقده وأن البشر سواسية كأسنان المشط وألا فرق بين أسود وأبيض ونكفر بالآيات التي تقسم البشر إلى أحرار وعبيد ومسلمون وكفار.

لست أدعو إلى دين جديد ولا إلى اختراع قرآن جديد، ففي القرآن الكثير من الآيات التي تتماشى مع العصر وتخرج من يتبعها من حيرة التناقضات، لكنني أدعو إلى تحكيم عقولنا وقراءة التراث الديني بطريقة نقدية، وإلى أن نكون انتقائيين حتى النخاع في ما يجب علينا اتباعه أو رميه وراء ظهورنا لمخالفته واقعنا وعدم ملاءمته لعصرنا.

أتفق تمام مع رأي الكاتب الأميركي من أصول هندية فريد زكريا الذي يتفهم صعوبة أن ينتقد المسلم نصوص دينه وإن كان يرى فيها تناقضا، فالمقدسات لدى أتباع جميع الأديان خط أحمر ولا يختلف الأمر عند المسلمين عن غيرهم. يرى زكريا أنه من غير الضروري مطالبة المسلمين بمواجهة نصوصهم الدينية، وأن الوقت كفيل بأن يتخلى المسلمون طوعا عن نصوص الكراهية والعنف.

صديقتي البرازيلية التي هي في عقدها الرابع الآن تقول إن المشكلة لا تكمن في الأوامر والنواهي العائلية أو الدينية وإنما في كيفية تعاملنا معها فالقصد منها أولا وأخيرا هو وقائي وليس حرفيا، نسبي وليس مطلقا، فليس كل غريب يجب الحذر منه وعدم قبول هداياه المقدمة بحسن نية. كل ما علينا فعله بحسب رأيها هو التعامل مع الأوامر والنواهي حسب مقتضيات الزمان والمكان مع اعتبار أن قدرتنا على تأويل تلك التعليمات تتغير كلما كبرنا ونضجنا ويزداد وعينا بالحكمة من ورائها.

المصدر: موقع الحرة

ــــــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG