رابط إمكانية الوصول

logo-print

'المشرق أصل والمغرب تقليد'.. عُقدة تاريخ عمَّقتها الجغرافيا


يختزل السجال الدائر بين مشارقة ومغاربيين، خصوصا حين مباريات رياضية بين منتخبات وفرق دول المنطقتين، كثيرا من أوجه العلاقة المتوترة بين المشرق والمغرب.

توتر العلاقة عززته قرون من القطيعة التاريخية بين مشرق يرى أنه المركز والأصل، ومغرب أسس لنفسه نسقا تاريخيا مختلفا في الهامش، وأمسى ينافس المشرق على الصدارة.

سر التوتر

يعترف الكاتب والناقد الأدبي، محمد حسني، أن هناك نوعا من التعالي من طرف المشارقة على المغاربة. هذا التعالي، كما يصفه حسني، يرده هذا الكاتب إلى "سبب التمركز على الذات".

"فمثلا، العبارة التي يتداولها الشارع المصري بأن 'مصر أم الدنيا' هي فكرة موروثة في الوعي الجماعي"، يقول حسني مضيفا إن للمغاربيين، في المقابل، فضلا في تطور المشرق العربي، مقدما مثالا بترجمة مغاربيين للفلسفة الأوروبية وإيصالها للمشرق.

​أما الأديب والباحث المغربي في التاريخ، عبد الكريم الجويطي، فيرى أن "المركز يرى المغرب الكبير كهامش وكصدى لثقافته ويستصغر إنجازاته".

ويستشهد الجويطي، مؤلف رواية "المغاربة"، لتوضيح فكرته، فقصة الصاحب بن عباد، الذي عاش في القرن الرابع الهجري، والذي قال، عندما قرأ كتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربه: "هذه بضاعتنا ردّت إلينا"، لكونه يرى أن الأصل هو "كتاب الأغاني" للأصفهاني وأن المغاربي لا يستطيع أن يأتي بجديد.

اقرأ أيضا: المغاربي.. لماذا يسأل المشرقي عن أمور دينه؟

لكن الجويطي يلوم أيضا المغاربيين ويقول إن لديهم عقدة نقص، فهم لا يعترفون بأنفسهم إلا إذا اعترف بهم المشارقة، "كرغبة الابن في التفوق على أبيه"، على حد قوله.

"بعض الفنانين والمفكرين المغاربيين لا يبلغون الشهرة إلا إذا فازوا بإحدى مسابقات تلفزيون الواقع أو تم تصنيفهم ضمن لوائح جائزة الرواية العربية"، يردف الجويطي.

عوامل الاختلاف

يرجع جزء من التباين بين المشرق والمغرب إلى التمايز اللغوي. المختص في الدراسات الثقافية، طارق صبري، يقر بهذا التباين، معتبرا أنه يتجاوز مفهوم اللغة الدلالي الضيق إلى بعدها الحضاري والثقافي.

فبالنسبة لصبري، وهو أيضا أستاذ محاضر في جامعة "ويست منيستر" بإنجلترا، فالدول المغاربية كانت منفتحة على اللغات والثقافات الأخرى، مما شكل هويتها في قالب مختلف.

الفيلسوف المغربي، محمد عابد الجابري، كان قد ذهب إلى أبعد من ذلك، حين عزا الاختلاف بين المشارقة والمغاربة إلى كون "العقل المغاربي عقلاني بينما العقل المشرقي لا عقلاني".

ويتفق المؤرخ المغربي، حسن أوريد، مع طرح الجابري، معتبرا أن هناك استعلاء وشعورا بالفوقية يحس به المشارقة تجاه المغاربة.

"في فترة معينة في التاريخ الحديث، تأثر المغاربة بالمشارقة في اتجاهات فكرية، من قبيل السلفية والقومية"، يقول أوريد مستدركا أن دولا مغاربية بدأت، في المقابل، تنفصل عن المشرق وتجدد خطابها وتركز على خصوصيتها الثقافية.

في المقابل، لا ينفي الكاتب محمد حسني الحاجز اللغوي الذي يجعل "المشرق عاجزا عن النفاذ للمغرب"، لكنه يؤكد وجود "الفضول والانبهار المشرقي تجاه الأكل ومستحضرات التجميل والأدب والمنتوجات الفخارية المغاربية".

في التاريخ والجغرافيا

تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية تأثير الجغرافيا والتاريخ على تشكيل الوعي الجماعي وشخصية الشعوب.

في هذا الاتجاه، يجزم الكاتب المغربي ، عبد الكريم الجويطي، بأن "الثقافي يرتبط بالطبيعي"، مضيفا أنه يجب استحضار الخصوصية الثقافية لمكان كشمال أفريقيا، فالتشكيل الجغرافي للمشرق رتيب وصحراوي، بينما يمتاز المغرب الكبير بجغرافيا متنوعة تتباين بين السهل والبحر والجبل، مما يولد بيئة ثقافية مختلفة.

ينضاف هذا المعطى الجغرافي إلى عامل القطيعة التاريخية التي خلفها، وفق طرح الجويطي، انفصال القرار السياسي عن المشرق وما أتاحه من استمرارية واستقرار سياسي.

"كل شيء يقول إن هناك شعبا يمتد من ليبيا إلى المغرب الأقصى يستحيل الفصل بينه"، يستطرد الكاتب ذاته.

في المقابل، يعيد الباحث في الدراسات طارق صبري النقاش حول علاقة المشرق بالمغرب إلى نقطة يراها مشتركة بين الطرفين، يتعلق الأمر بتشابه مظاهر الاستبداد في الحكم وغياب العدالة، كما يقول.

"رغم الفروقات بين المشرق والمغرب وعدم وجود ثقافة عربية موحدة، إلا أن بنيات الظلم المشترك تجمعهما، لأن كل هذه الشعوب عاشت تحت سطوة أنظمة مستبدة"، يضيف صبري.

المصدر: أصوات مغاربية

XS
SM
MD
LG