رابط إمكانية الوصول

logo-print

لماذا تنتشر 'النعوت العنصرية' في المجتمع المغربي؟


Morocco Ethnic Groups

تنتشر في المجتمع المغربي كثير من النعوت التي يراها البعض "عنصرية" لأنها تطلق على بعض الأشخاص انطلاقا من المناطق التي يتحدرون منها.

فمثلا الشخص الذي ينحدر من الوسط القروي يوصف بـ"العروبي"، وهي العبارة التي تستعمل أحيانا للسب والإهانة، بينما الشائع استعمال نعت "الصقرام"، الذي يعني البخيل في اللهجة المحلية، لوصف الأمازيغي المنتمي إلى مناطق الجنوب بالخصوص.

فما السبب في انتشار هذه النعوت في المجتمع المغربي؟ وهل تعكس نزوعا نحو العنصرية لدى المغاربة؟

نوازل مثيرة للجدل

قبل نحو أربع سنوات، أثار شريط مصور مقتطف من محاضرة ألقاها البرلماني، المقرئ أبو زيد الإدريسي، خارج المغرب، جدلا واسعا بعد أن ظهر في الشريط وهو يروي نكتة، يسخر فيها من تجار في المغرب قال إنهم "معروفون بالبخل"، مشيرا إلى كونهم "من عرق معين" دون أن يشير إليه، حتى "لا يُتهم بالعنصرية في المغرب" على حد تعبيره.

غير أن الكثيرين تداولوا أن المقصود بتلك النكتة هم الأمازيغ. هاجمه الكثيرون متهمين إياه بنقل صورة نمطية مسيئة لأمازيغ منطقة "سوس" خارج المغرب.

الجدل نفسه تقريبا أثاره قبل نحو سنتين رئيس الحكومة المغربية السابق، عبد الإله ابن كيران، حين كان يتحدث في لقاء حزبي فتساءل مازحا "هو سوسي بشحال كيعيش كاع؟" في معرض إشادته بخصال أحد قياديي الحزب، وهو ما أثار ضحك الحضور في القاعة.

صفة البخل التي يتم إلصاقها كثيرا في المخيال الشعبي بالأمازيغ، خاصة المنحدرين منهم من الجنوب، ليست الصفة أو النعت الوحيد القدحي الذي يوصف به شخص انطلاقا من المنطقة التي ينحدر منها في المغرب، ذلك أن هناك عدد من الأوصاف القدحية التي تعكس صورا نمطية متداولة لها علاقة بأصول الأشخاص، ومن بينها إلى جانب البخل الذي يوصف به "سواسة"، صفة "العروبي" التي تدل على الأصل القروي للشخص والتي تستعمل في بعض الأحيان كسبة للدلالة على عدم تمدن شخص ما أو تحضره.

بقايا عهد الاستعمار

بالنسبة للأستاذ المختص في الأنثروبولوجيا التاريخية والسياسية، مصطفى قادري، فإن المزاح المبني على "الهويات الترابية" عادة قديمة كانت تنتشر في المغرب كما تنتشر في أفريقيا تحت مسمى "plaisanteries de cousinages" (أو المزاح بين أبناء العمومة).

وإذا كان المزاح بين أفراد المجتمع على أساس الانتماء القبلي أو الجغرافي أمر قديم، حسب المتحدث، فإن الأمر الحديث بالنسبة للمجتمع المغربي، حسب رأيه، هو تحول ذلك المزاح إلى "سخرية واحتقار".

ويُرجع قادري ضمن تصريحه لـ"اصوات مغاربية"، تداول نعوت قدحية على أساس الانتماء القبلي أو الجغرافي إلى الفترة الاستعمارية، "حين غلبنا الفرنسيون والإسبان أصبحنا كلنا محگورين (شعور بالمهانة والاحتقار)، فبدأنا في احتقار بعضنا البعض" يقول قادري.

وفي الوقت الذي يربط البعض وصف "العروبي" بـ"العربي" يؤكد المتحدث أن الأمر "غير صحيح"، موضحا أن ذلك الوصف كان يستعمله سكان المدينة الجدد، لوصف من يعيشون في الوسط القروي، وبالتالي، حسب رأيه، عبارة "العروبي" كانت تستعمل للدلالة على "غير المدني" و"المتخلف".

في السياق نفسه، وفي إطار تفسيره لتداول تلك العبارات في المجتمع خلال الفترة الاستعمارية، يشير المتحدث إلى نظرية تسمى بـ""Peau noire masque blanc" (بشرة سوداء، قناع أبيض)، التي تعني أن "تكون من وسط معين وتحتقر من يشبهونك لتظهر وكأنك لا تشبههم".

ويتابع المتحدث موضحا أن السلطات الاستعمارية "عززت" ذلك الأمر من خلال القوانين "التمييزية" التي كانت تسنها والتي كانت في صالح البعض على حساب آخرين.

اقرأ أيضا: ما هو أصل 'الألقاب الغريبة' التي يحملها بعض المغاربة؟

نتيجة لعدم اكتمال الاندماج

من جانبه يرى المؤرخ المغربي، المعطي منجب، أن تداول عبارات من ذلك القبيل يدل على "درجة غير مكتملة من الاندماج الثقافي والهوياتي على مستوى الوطن"، على حد تعبيره، والناتجة عن اختلاف الأشخاص على عدة مستويات من بينها اللكنة.

ويوضح المتحدث أن الوصول إلى درجة الـ100% من تشابه الأفراد الذي يمحو أي اختلافات أمر "صعب"، ذلك أن هناك "مجتمعات قليلة جدا التي يوجد فيها انمحاء للهوية الإقليمية أو الثقافية أو حتى الدينية".

ويتابع المتحدث موضحا أن ذلك الأمر "ليس سيئا" إنما يدخل في إطار "دورة تاريخية عادية"، إذ يشير هنا إلى أن المغرب قبل قرون مثلا "كان فيه تمايز أكثر من اليوم"، وهو التمايز الذي يرى أنه يندثر شيئا فشيئا مع الوقت بحيث "سيصبح هناك تقارب بين جميع المغاربة بشكل يمحو أي فروقات قد تسمح بعزل شخص واحتقاره أو السخرية منه على أساسها".

في السياق نفسه، وعلاقة بذلك الاختلاف، يرى منجب أن تلك النعوت تعكس أيضا في جانب منها "اختلاف السلالم القيمية من منطقة إلى أخرى"، وهنا يشير كنموذج إلى أهل فاس "الذين كان معروفا عنهم أنهم لا يصلون في الشجار إلى درجة العراك بالأيدي ويعتبرون العنف الفيزيائي نوعا من الهمجية، في حين بالنسبة لجهات أخرى ذلك الأمر يدل على الجبن"، لافتا إلى أن هذا "الاختلاف" على مستوى "السلالم القيمية" تعكسه حتى بعض النكت المتداولة.

وحسب منجب فإن تلك النعوت غالبا ما تستعمل في إطار "المزاح"، لافتا إلى أن الأمر منتشر في أفريقيا تحت مسمى "plaisanteries de cousinage" (أو المزاح بين أبناء العمومة).

ويتابع موضحا أن ذلك الأمر يدل أساسا على أن "المجتمع لم يصل بعد لدرجة من الاندماج التي ينمحي معها أي تمايز"، والتي لن تبقى معها عبارات من ذلك القبيل "قد تستعمل في إطار المزاح" كما قد تستعمل "للتعبير عن الاحتقار أو الخوف من فئة معينة".

اقرأ أيضا: لماذا يرفض أمازيغ المغرب تسميتهم بـ 'الشلوح'؟

تفضيل الأنا وإقصاء الآخر

أما بالنسبة للأستاذ الباحث في علم النفس الاجتماعي، مصطفى الشكدالي، فإن تداول تلك النعوت يدل على نوع من تفضيل الأنا في مقابل إقصاء الآخر.

"الانتماء للمنطقة أو الانتماء لثقافة معينة يخلق ما يسمى بالتمركز حول الإثنية" يوضح الشكدالي ضمن تصريحه لـ"أصوات مغاربية"، مضيفا أن "هذا التمركز حول الإثنية أو ما يسمى أيضا بالعصبية القبلية ينتج بعض النعوت الموجهة للإثنيات الأخرى المختلفة".

ويتابع المتحدث موضحا أن اعتبار الشخص الجغرافيا أو الإثنية التي ينتمي إليها بمثابة "الأفضل" يؤدي إلى نعت الجغرافيات والإثنيات الأخرى بـ"نعوت سلبية"، مردفا أن ذلك فيه "نوع من التصورات النمطية للذات وللآخر"، وهي التصورات التي تعكسها، حسب رأيه، بعض النكت المتداولة أحيانا.

تلك التصورات، حسب الشكدالي، فيها ما هو "متوارث"، إذ يشير في السياق إلى الدور الذي قد تلعبه التنشئة الاجتماعية في ذلك الإطار.

وحسب الشكدالي فإن "هذه السلوكات فيها نوع من الانتماء المبالغ فيه" الذي يجعل الشخص يعتبر بأنه "الأحسن" في حين أن الآخرين "مجرد هامش" بالنسبة للمركز الذي ينتمي إليه هو.

وللخروج من تلك النظرة المبنية على "تمركز إثني"، يرى المتحدث ضرورة "ممارسة نوع من الاستقلالية الثقافية والاعتراف بالآخر" لأن الإشكال بالنسبة للشكدالي يكمن أساسا في "عدم الاعتراف بالآخر وإقصائه".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG